ماذا ستكسب أمريكا مقابل خروجها من سوريا؟

خاص|| أثر برس

تكهنات وتساؤلات عديدة لم تنته بعد أيام من الإعلان الأمريكي حول الانسحاب من سوريا، في مشهد قد يعيد خارطة التحالفات في المنطقة وينتج واقع جديد يؤثرعلى شمال البلاد.

فبعد الإعلان الأمريكي، توالت العديد من المواقف والتحليلات التي لم يتفرد أيٌّ منها بإعطاء جواب كامل حول الفعل الأمريكي الأخير، حيث رأى بعض المحللين أن هذا القرار هو انتصار سياسي تركي، ورأى آخرون أنه توسع روسي على حساب الهيمنة الأمريكية العالمية، في حين عزا البعض موضوع الانسحاب إلى الوضع الداخلي الأمريكي ومحاولة ترامب إعادة الجنود الأمريكيين لتهدئة الداخل المعارض لسياساته.

إلا أنه وفي حال تجريد الخروج الأمريكي من جميع أسباب حدوثه التي تم ذكرها، ستظهر أسباب أكثر اتساعاً قد تفسر السلوك الأمريكي الأخير، وفي مقدمتها فك تركيا من الحلف مع روسيا وإيران بعد أن بات هذا الحلف أهم أسباب تراجع الهيمنة الأمريكية في المنطقة عموماً، فتركيا مهمة جداً بالنسبة لجميع اللاعبين العالميين الرئيسيين، ولا تستطيع الولايات المتحدة تحمّل خسارة تركيا نهائياً واستمرار تعمق علاقاتها مع روسيا وإيران في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية، فالخلاف التركي – الأمريكي أدى إلى اتساع الهيمنة الروسية، ووصل إلى حدود إدخال الأسلحة الروسية المتمثلة بمنظومة الدفاع الجوي “إس 400” إلى مناطق حلف شمال الأطلسي في تركيا، كما كان لها تأثير واضح في فشل الولايات المتحدة في عزل إيران وعدم إيجاد صيغة شرعية للوجود الأمريكي في سوريا، ناهيك عن بدء الحلف الروسي-التركي بمحاربة الدولار الأمريكي والذي بدأ قبل أشهر بإعلان التبادل التجاري بين روسيا وتركيا بالعملة المحلية.

موضوع قدرة الولايات المتحدة على إخراج تركيا من الحلف الثلاثي لن يكون إلا من خلال تقديم إغراءات أكبر من تلك التي قدمتها روسيا وإن كان ذلك على حساب التواجد الأمريكي ذاته، حيث أفادت شبكة “إن بي سي نيوز”، بأنه وفي اتصال هاتفي بين ترامب وأردوغان، وعد الأخير بأن تركيا ستتحمل مسؤولية إنهاء “داعش” إذا انسحبت الولايات المتحدة من سوريا، حسبما قال مسؤول كبير في البيت الأبيض للشبكة، ويؤكد ذلك تغريدات ترامب قبل يومين والتي قال فيها: “لقد أصبح نظام داعش الآن مهزوماً إلى حد كبير، ويجب أن تكون الدول المحلية الأخرى بما في ذلك تركيا، قادرة على العناية بكل ما تبقى، نحن نعود إلى المنزل!” وعاد الرئيسان اليوم ليتعاهدا على تجنب حدوث فراغ في شرق الفرات السوري بعد خروج القوات الأمريكية.

تصريحات ترامب وما سبقها من تصريحات لأردوغان، تشير بشكلٍ عام إلى أن المخطط يوحي بتسهيل دخول القوات التركية والفصائل المسلحة إلى كامل منطقة شرق الفرات السوري، لأن فلول تنظيم “داعش” باتت تتواجد في بلدة هجين ومحيطها بريف دير الزور (أي في أبعد نقطة عن الحدود التركية-السورية)، ما يعني بأن تصبح منطقة شرق الفرات بشكلٍ كامل تحت الهيمنة التركية وهو ما لن تقبل به الدولة السورية ولا روسيا ولا إيران وبالتالي تكون الولايات المتحدة قد تمكنت من خلق فراغ في منطقة شرق الفرات للتأثير على الحلف الثلاثي التركي – الروسي – الإيراني.

قد يرى البعض بأنه لافرق بين سيطرة الفصائل المسلحة الموالية لتركيا أو الوحدات الكردية على شرق الفرات كونهما كيانين يتعاملان مع قوى خارجية معادية للدولة السورية، لكن الموضوع هنا يختلف كثيراً ففي حال نفذت الولايات المتحدة وعودها لتركيا سيصبح الشمال السوري من إدلب في الشمال وصولاً إلى الرقة ودير الزور في الشرق تحت سيطرة الفصائل المسلحة المدعومة تركياً وهو الأمر الذي من شانه تغير صورة المفاضات لدى المعارضة التي لا تمتلك أية أوراق ضغط حقيقية في المرحلة الحالية بأي مفاوضات تجريها بخصوص التسوية السياسية في سوريا، وبهذا تكون المصلحة التركية عادت لتصب في المصلحة الأمريكية التي تهدف إلى استهداف الدولة السورية، وهذا يفسر ماتم تداوله خلال الأيام الأخيرة عن تحشيدات عسكرية للقوات السورية على ضفاف نهر الفرات بالتوازي مع الإعلان الأمريكي.

ويرى بعض المحللين بأن هناك العديد من نقاط الخلاف العميقة بين روسيا وتركيا، فالأخيرة عضو في حلف “الناتو”، وروسيا مؤسس منظمة معاهدة الأمن الجماعي (المناهضة لحلف الناتو)، كما تعارض تركيا ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، وتعارض الدعم الروسي للدولة السورية، بالمقابل لا يمكن التقليل من الخلفية الاقتصادية للتقارب وأهميتها بالنسبة إلى البلدين، فالتعاون الاقتصادي المتزايد ونمو حجم التجارة هي مكسب لكل من أنقرة وموسكو وكلاهما في حاجة إليه خصوصاً في ظل العقوبات الأمريكية الأخيرة على كلا البلدين، إلّا أن هذا التقارب المتسارع في السنتين الماضيتين كان نتيجة للأفعال الأمريكية وتحديداً دعم الأكراد، والآن تتخلى الولايات المتحدة عن هذا الدعم، فهل سيمهد الخروج الأمريكي لعودة العلاقات التركية – الأمريكية وتقويض العلاقات التركية – الروسية؟ أم أن الرئيس التركي قد لمس حالة من الاستقرار في علاقته مع روسيا؟ خصوصاً وأن الرئيس التركي يكرر خلال الأشهر الأخيرة عبارة “أمريكا لا توفي بعلاقاتها مع حلفائها”.

رضا توتنجي

مقالات ذات صلة

أضف تعليق