الانسحاب الأمريكي هزيمة أم معادلة جديدة؟

خاص || أثر برس

كانت صفعة الأمريكيين أنفسهم بقرار الرئيس دونالد ترامب بإنهاء الوجود العسكري الأمريكي في سوريا أكبر من ذهول حلفاء واشنطن بلا أدنى شك، بينما تقف روسيا وحلفاءها على جانبٍ حذرٍ من الحسابات التي يفرضها جنون رجل البيت الأبيض، ولاسيما أن الولايات المتحدة الأمريكية أنفقت حوالي 70 مليار دولار على الحرب في سوريا، حيث دعمت “قوات سوريا الديمقراطية” ذات المكون الكردي الرئيسي فيها، ويتوجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم إلى سحب نحو 2200 جندي أمريكي على مدى ثلاثة أشهر من مناطق نفوذ الأكراد شمال وشمال شرق نهر الفرات بالإضافة إلى الانسحاب من قاعدة التنف في شرق سوريا التي تتواجد فيها فصائل مسلحة مدعومة أمريكياً.

ربطت الولايات المتحدة الأمريكية حسب تصريحات مسؤوليها انسحاب قواتها من الأراضي السورية سابقاً بهزيمة “داعش” بشكل كامل، إضافة إلى إنهاء النفوذ الإيراني وتحقيق تقدم في مسار الحل السياسي عبر محادثات جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة “حسب وصفهم”، وهذا ما أكده دائماً وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس الذي استقال احتجاجاً بعد يوم واحد على قرار دونالد ترامب، وتبعته استقالة بريت مكغورك الموفد الأمريكي إلى “التحالف الدولي” في سوريا، وذلك يفسّر التخبّط الذي تعيشه الإدارة الأمريكية مع دونالد ترامب، حيث أكد بريت مكغورك أن قرار الانسحاب من سوريا صدمة وانقلاب كامل على السياسة التي قُدمت، كما أن القرار ترك شركاء واشنطن في حالة إحباط. بعد استقالة جيمس ماتيس أو بإقالته من قبل ترامب كما قيل على حدٍ سواء، يرى السياسيون الأمريكيون بأنه آخر حكماء التشكيلة الحكومية في عهد دونالد ترامب بعد رحيل وزير الخارجية السابق ريكي تيليرسون ورئيس هيئة الموظفين في البيت الأبيض جون كيلي والمستشار السابق لشؤون الأمن القومي إتس آر ماكماستر.

تحول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الداخل الأمريكي، وتفاقم أزمته بعد فشل الجمهوريين في مجلس الشيوخ في حشد الأصوات اللازمة للموافقة على تمويل بقيمة 5 مليار دولار طالب فيه ترامب لبناء جدار حدودي مع المكسيك، يعارضه الديمقراطيون بشدة، ويعكس رفض سياساته الخارجية أيضاً، فلم يُقنع الأمريكيين عندما قال لهم “إن الوقت قد حان ليقاتل آخرون في الشرق الأوسط” حيث أن رغبته في سحب 7000 عسكري أمريكي من أفغانستان أيضاً من شأنها أن تُضعف المصالح والنفوذ الأمريكي في المنطقة على حساب روسيا.

مما لاشك فيه أن قرار انسحاب القوات الأمريكية من سوريا على اختلاف النوايا الأمريكية هو انتصار لروسيا وحلفائها، وهو نتيجة أكيدة لانتصارات القوات السورية التي صمدت وأفشلت المخططات الأمريكية، حتى رأى دونالد ترامب أن ثمن بقاءه في سوريا، ودعم الأكراد يجعل خسارته مضاعفة بسبب ازياد توتر العلاقات مع تركيا، بشأن ملف الأكراد، ومما زاد الأمر تعقيداً الاتّفاقية التركية-الروسية حول توريد منظومة الدفاع الصاروخية الروسية إس 400 إليها، وبداية أعمال تركيبها في مطلع تشرين الأول عام 2019 القادم.

تريد الولايات المتحدة الأمريكية الضغط على تركيا لإلغاء الاتّفاقية مع روسيا، مقابل صفقة الباتريوت التي تبلغ قيمتها 3.5 مليار دولار، الأمر الذي يرفضه الأتراك بشدة، حيث أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أن تركيا تحتاج للمنظومتين، ولا يمكن التنازل أبداً عن الصواريخ الروسية.

لايمكن تفهّم قرار الانسحاب الأمريكي من سوريا أنه بسبب رغبة أردوغان بشن هجوم عسكري على مناطق نفوذ “قوات سوريا الديمقراطية” في شرق الفرات حلفاء الأمريكيين مطلع العام الفائت، حيث أن المراوغة الأمريكية لخارطة الطريق في منبج كانت العنوان الأبرز للأيام الماضية، وهذه اللحظة يقوم الأمريكيون بالتنازل وإطلاق اليد التركية كاملة شرق الفرات، فأيّ التفاهمات السرية التي يصنعها ترامب وأردوغان في سوريا في ظل التناقضات البراغماتية التي ينسجاها معاً في حقيقة الأمر، قد يريد الأمريكيون نقل الصراع في المنطقة إلى ساحة أخرى، وقد يكون اتجاههم إلى إيران، ولا علاقة لهذا الحديث بقدوم حاملة الطائرات الأمريكية “ستينيس” إلى مياه الخليج العربي رداً على المناورات التي تجريها البحرية الإيرانية في مياهها الإقليمية، ولكن التأكيد الأمريكي والأولوية دائماً كانت لمحاربة النفوذ الإيراني في المنطقة حمايةً “لإسرائيل” فكيف يكون الانسحاب الأمريكي دون المساومة على هذه القضية؟ كما أن تجميع الجنود الأمريكيين من سوريا وأفغانستان وربما العراق لاحقاً يجعل احتمال الأمر ممكناً.

انهيار الأكراد أمام أحلامهم الانفصالية في شمال وشمال شرق سوريا دفع الرئيسة المشتركة لمجلس “قوات سوريا الديمقراطية” إلهام أحمد إلى زيارة الإليزيه في فرنسا، لإيجاد بديلاً يملأ الفراغ الذي سيتركه رحيل القوات الأمريكية شرق الفرات، والقول إن مانويل ماكرون سيكون الورقة الرابحة للأكراد خطأ محض، خاصة أن فرنسا شاركت في قمة اسطنبول الرباعية منذ حوالي شهرين، واتفقت على نقاط مشتركة مع تركيا، فلا يمكن أن يندفع ماكرون لمعارضة أردوغان بخصوص المسألة الكردية، إلاّ أن وصول وفد كردي إلى موسكو تلبيةً لعرض قدمته روسيا يتضمن نشر قوات حرس حدود تابعة للقوات السورية على الحدود الشمالية السورية، من شرق الفرات حتى نهر دجلة يضع الأتراك في زاوية تكشف نواياهم حقيقةً حول رغبتهم بالتوسع في الأراضي السورية انتقاماً لمعاهدة لوزان التي يعتبرونها هزيمة يجب التخلص منها.

للدولة السورية الحق في استعادة السيطرة على كامل أراضيها، ويجب أن يتعلم الأكراد من الذي حصل في عفرين، ويدركوا أن عودتهم لسوريا الأم هي الحقيقة الوحيدة التي يمكن لها أن تحفظ كرامتهم.

علي أصفهاني

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.