أثر برس

الثلاثاء - 16 أبريل - 2024

Search

76 شكوى وصلت لوزارة الصحة: العملية نجحت.. لكن المريض مات!

by Athr Press G

خاص|| أثر برس تروي “ابتسام” قصة ابنة أخيها “ميرا” بحرقة شديدة، ميرا التي كان يجب أن يكون عمرها اليوم 18 سنة، دخلت في عمر 12 سنة إلى أحد المشافي في منطقة جديدة عرطوز بريف دمشق لإجراء عملية استئصال “اللوزات”، لتخرج منها بعد خمس دقائق جثة هامدة.

تتابع ابتسام حديثها لـ”أثر برس” قائلة: المسؤول عن الخطأ الطبي كان الطبيب الجراح وطبيب التخدير اللذان فرا مع الممرضات حينها، إلا أن الجهات الأمنية استطاعت إلقاء القبض عليهم، حيث تم سجن الطبيبين لمدة ثلاثة أشهر فقط.

الموت أيضاً كان مصير “سامر” الذي دخل إلى أحد المستشفيات الخاصة في دمشق بغية سحب خزعة من فخذه، لكن تم إعطاؤه جرعةً من التخدير في غرفة جانبية ليست مجهزة بالتجهيزات الطبية المعتادة لكشف الأكسجة مثلاً، أو لقياس نبضات القلب والضغط، كما كان يفترض أن تؤخذ الخزعة من فخذه الأيسر، خرج الطبيب من الغرفة ليبلغ والده أن ولده سيخرج خلال نصف ساعة، ولكن فجأةً توقّف قلب الشاب ودخل في غيبوبة استمرت حتى وفاته بعد أكثر من أربعين يوماً.

أما “ريم”، وهي طالبة جامعية من حلب، فقد تعرضت لحادث سير في العام الماضي نقلت على أثره لمستشفى خاص، حيث أجرى الأطباء ليدها المصابة عملية جراحية بمبلغ خيالي، لكن لاحقاً تبين أن العملية لم تكن ناجحة ما تسبب بحدوث التصاقات في يدها، وفقدانها القدرة على تحريك ثلاثة أصابع في كفها الأيمن.

– التكتم والتهرب:

لم تكن رحلة البحث عن الحالات التي حصلت فيها أخطاء طبية في المشافي سهلة، فالجميع يتكتم رغم الروايات والأخبار التي نشرت حول أخطاء طبية أودت بحياة مرضاهم في هذا المشفى أو ذاك، لاسيما وأن هناك العديد من “النعوات” التي نشرت على صفحات التواصل الاجتماعي تحدثت بوضوح عن أن سبب الوفاة يكمن في حدوث خطأ طبي، أو كما يقول البعض تلطيفاً “إهمال طبي”، كما أنه على مدار السنوات القليلة الماضية نُشرت العديد من المقالات الصحفية التي كانت تسلط الضوء على حصول أخطاء طبية أدت إلى وفاة أشخاص كان  آخرهم الطفل “زين العابدين” الذي توفي العام الماضي بعد مراجعته لمركز طبي في الشهبندر لمعالجة مشكلة بسيطة في أسنانه، فخرج جثة هامدة جراء ارتكاب طبيبا الأسنان والتخدير خطأ أودى بحياة الطفل الذي لم يكمل آنذاك عامه التاسع .

في إحصائية نشرتها منظمة الصحة العالمية عن العام 2019، تبين إن حوالي 10% من المرضى يتضررون بسبب الأخطاء الطبية، مشيرة إلى أن العالم يشهد سنوياً حوالي 43 مليون خطأ طبي، وهذه الأخطاء تمثل أيضاً السبب الثالث للوفيات في الولايات المتحدة بعد الأمراض القلبية الوعائية والسرطان، إذ تحصد أرواح نحو 250 ألف شخص سنوياً، وفقا لحسابات أجراها الباحثان مارتن مكاري ومايكل دانيال من كلية الطب في جامعة جونز هوبكينز، وتعليقاً على التقديرات التي رفعت الرقم إلى 400 ألف، أوضح الباحثان أن حساباتهما لم تأخذ في الاعتبار إلا الوفيات التي حدثت في المستشفيات.

وتحمل الأخبار أن العديد من المشاهير العالميين تعرضوا لأخطاء طبية بعضها كان قاتلاً، فيما تمكن آخرون نجوا من الحصول على تعويضات كبيرة، ومن أشهر تلك الحوادث ما يلي:

  • أجريت لنانسي اندروز عملية إخصاب في نيويورك بالطريقة التي عرفت بـ«طفل الأنبوب»، فولدت طفلاً أسود، وصدمت هي وزوجها، فهما من البيض، وأظهر فحص الـ «دي إن إيه» أن الأطباء زرعوا حيواناً منوياً لرجل أسود في بويضة نانسي!
  • توفيت جيسيكا سانتيان (17 عاماً) بعد أسبوعين من زرع قلب ورئتين لها أُخذا من جسم شخص من دون إجراء فحص دم له، وبعد اكتشاف الخطأ أجرى لها الأطباء عملية أخرى لاصلاح ما أفسدوه، فسببوا لها تلفاً دماغياً أودى بحياتها.
  • استأصل الأطباء في لوس انجلوس الخصية اليمنى السليمة للجندي السابق في سلاح الجو بنيامين هوفتون بدلاً من اليسرى التي كانت تؤلمه، وقد حصل هوفتون على تعويض بلغ 200 ألف دولار.
  • خضع دونالد تشيرتش (49 عاماً) لجراحة لإزالة ورم في البطن، في المركز الطبي لجامعة واشنطن، ونسي الأطباء أداة فتح الجروح البالغ طولها 30 سم في بطنه، ففتحوا بطنه مرة أخرى، وأخرجوا الأداة المعدنية، وحصل دونالد على تعويض بلغ 97 ألف دولار.
  • قام جراح في تامبا بولاية فلوريدا ببتر الساق السليمة لويلي كنغ (52 عاماً) بدلاً من الساق المطلوب بترها.
  • استأصل الأطباء في مستشفى بارك نيكول ميثوديست الكلية السليمة لمريض بدلاً من الكلية التي اعتقدوا أنها مصابة بورم سرطاني!
  • بعد شهرين من إجراء عملية جراحية للفنان الكوميدي دانا كارفي، تبين أنه تم إجراء العملية في الشريان الخاطئ، وتطلب الأمر إجراء عملية أخرى لفتح الشريان المسدود، ورفع كارفي قضية مطالباً بتعويض قدره 7.5 ملايين دولار.

شكاوى الصحة:

يختلف المعنى المتداول الشعبي لمصطلح الخطأ الطبي عن ذلك المعتمد طبياً وقضائياً، الأمر الذي يفسر عدم وصف بعض الحالات بالأخطاء الطبية، إذ كما يذكر نقيب الأطباء  في سوريا الدكتور غسان فندي فإن “الأخطاء الطبية تحدث بشكل عام مثلها مثل أي عمل مهني آخر، فما دام هناك عمل  قد تكون هناك أخطاء، وهذه الأخطاء ليست مرتبطة دائما بالطبيب، فقد تكون ناجمة عن بعض الاختلاطات في مكان العمل الذي يقوم به الطبيب بحد ذاته، وقد تكون ناجمة عن طبيعة المرض إذ إن بعض الأمراض تنتج منها بعض الاختلاطات وهي نتيجة طبيعية للأمراض، وهذا الأمر موجود في كل بلاد العالم ووارد حدوثه في كل لحظة”.

ولذلك فهو يعرف الخطأ الطبي بأنه “أي تصرف أو سلوك خارج عن أصول العمل الطبي المهني مع المريض أو مع الجهات الطبية لأن هذا الموضوع له أبعاد كثيرة مع المريض والزملاء والمجتمع، لذلك الخطأ هو تصرف مخالف لبروتوكولات العمل من لحظة مقابلة المريض وحتى العلاج ومتابعة المريض فأي مرحلة من هذه المراحل قد يكون هناك شذوذ عن قواعد العمل الطبي وممارسة المهنة”.

ويفرق النقيب بين الخطأ ومصطلحات أخرى يتداولها الناس ويقولون عنها خطأ طبي، وهي ليست خطأ فهناك أربعة مصطلحات: مصطلح اختلاط طبي، وهذا طبيعي وليس خطأ لأن أي مريض عندما يتعالج يمكن أن يتعرض نتيجة العلاج إلى اختلاط.

والمصطلح الثاني هو التأثيرات الجانبية، أيضاً من الممكن أن يتعرض نتيجة المرض ومعالجة المرض إلى تأثيرات جانبية، وهي ليست خطأ، أما المصطلح الثالث فيدعى العقابيل بمعنى عندما يتعالج الشخص من أي مرض تبقى بعض القضايا التي فيها نقص بالوظائف، ولا يتم معالجتها وهذا أيضاً ليس خطأ، والناس يخلطون بين هذه المصطلحات ونحن كنقابة عندما يعرض علينا أي قضية نميز بين تلك المصطلحات هل تندرج ضمن الـ 3 المصطلحات.

نقابة الأطباء بقانونها وتنظيمها الداخلي كما في كل نقابات الأطباء في العالم تضع أول واجب على كل طبيب بالقسم للمحافظة على حياة الناس، فالطبيب ملزم بتقديم العناية الطبية وليس ملزم بالنتيجة، أي يحاسب على الغاية وليس على النتيجة بمعنى بذل عناية.

أما المحامي العام بدمشق محمد خربطلي فيقدم تعريفاً للخطأ الطبي من وجهة نظر قانونية، فهو “انحراف الطبيب عن السلوك الطبي العادي والمألوف وما يقتضيه من يقظة أو حذر لدرجة يهمل فيها الطبيب مريضه ويقوم بإلحاق الضرر به، فالتزام الطبيب بعمله هو التزام عناية وليس تحقيق غاية، فليس هو من يشفي المريض وإنما هو يقدم كل رعاية وعناية للمريض ويبذل قصارى جهده ليؤمن له كل البروتوكولات الطبية اللازمة لكي يتعافى، وإذا لم يتعاف المريض أو توفي والطبيب لم يقم بأي خطأ فهذا ليس خطأ طبي، أما إذا حدث إهمال أو خطأ  أو لم تقدم الرعاية الكافية وأدى هذا إلى إلحاق ضرر بالمريض، فإن ذلك يصبح خطأ طبياً ناتجاً عن إهمال أو قلة احتراز أو عدم مراعاة للقوانين والأنظمة”.

بحسب أرقام وزارة الصحة التي حصل عليها “أثر برس” فقد تم تسجيل حوالي 76 شكوى متعلقة بتعرض مواطنين لأخطاء طبية في العام الماضي، تم التنازل عن 30 شكوى من قبل أصحابها، وطي 15 شكوى لم تكن موثقة بشكل قانوني وبعضها اعتبر شكاوى كيدية، أما مصير باقي الشكاوى المسجلة، فقد وجدت 13 شكوى طريقها للحل من خلال التعويض المادي، في حين تمت إحالة 8 شكاوى لنقابة الأطباء، وتشير أرقام الوزارة إلى أن حلب تسجل الرقم الأكبر من الأخطاء الطبية بحوالي 30 خطأ طبي، وبقية المحافظات تراوحت الشكاوى بهذا الخصوص ما بين 15 إلى 20 شكوى .

لكن من المهم الإشارة إلى أن عدد الشكاوى التي تلقتها وزارة الصحة لا تعكس الحجم الحقيقي لظاهرة الأخطاء الطبية بالنظر إلى أن هناك مواطنين لا يتقدمون بشكوى في حال تعرضهم أو ذويهم لخطأ طبي لسبب من الأسباب، والعديد من الحالات يتم معالجتها عبر الوساطات والتعويض المالي.

ويؤكد المحامي العام بدمشق “أن نقابة الأطباء لديها محكمة مسلكية يمكنها فرض عقوبات مسلكية، وهي مستقلة تماماً عن قانون العقوبات أو الدعوى التي يتم تحريكها أمام القضاء، والدعوى يتم تحريكها إذا كان هناك ادعاء، إما من المريض الذي تضرر نتيجة الخطأ الطبي، أو من ذويه أو ورثته عند حدوث الوفاة جراء الخطأ الطبي”.

ويضيف في تصريح خاص لـ”أثر برس” أن النقابة لها “مسلكياً قانونها الخاص الذي قد يحرم الطبيب من ممارسة المهنة لسنة أو سنتين ثم يحرم بشكل نهائي، في حين أنه أمام القضاء هناك مسؤولية جزائية يتحاكم الطبيب بداية على قانون العقوبات، وفي أدى الخطأ الطبي إلى حدوث وفاة تتم عملية الكشف الطبي من خلال نقل الجثة إلى مستشفى، وفي حال ادعاء ذوي أو ورثة المتوفى يتم فتح تحقيق يقوم به الأمن الجنائي أو قسم الشرطة التابع للمشفى، والتي حصلت فيه العملية وأدت إلى الوفاة ”

وتابع: أن الطبيب يحاسب ويلاحق عن جريمة غير مقصودة، لأنه لا يوجد أي طبيب يقصد  أن يقتل أحداً أو يؤذي وكل أفعاله هي أسباب مبررة بالقانون، فهناك أطباء لديهم حرفية مهنية عالية ويهتمون بالمريض، وأطباء آخرون لديهم إهمال وليس لديهم الخبرة المناسبة .

 لكن كيف يستطيع القضاء إثبات أن الخطأ الطبي هو المسبب للوفاة أو العجز أو الضرر؟

يجيب المحامي العام بدمشق على هذا السؤال بالقول: بالخبرة الطبية التي تجري من قبل أطباء مختصون بالمجال نفسه، وأحيانا نستعين بنقابة الأطباء، فإذا ثبت أن هناك خطأ طبي أدى إلى حدوث ضر سواء وفاة أو عجز أو غير ذلك، تجري ملاحقة الطبيب جزائياً ويحاكم، فإذا أدى الخطأ إلى الوفاة يحاكم بحسب المادة 550 وعقوبتها من ستة أشهر إلى سنتين، وبحسب المادة 551  من ستة أشهر إلى 3 سنوات كأقصى حد، أما إذا أدى الخطأ إلى عجز أو تعطيل عن العمل  فالعقوبة بحسب المادة 552 من قانون العقوبات، يعاقب من شهرين إلى سنة إضافة إلى التعويضات التي يحكم بها من نفقات علاج وأدوية مهما كانت التكلفة

وأضاف أن “الخبرة الطبية ليست هي الوحيدة في عملنا، فالقاضي هو الخبير الأول والأخير نتيجة الخبرة المتراكمة والحالات المشابهة، لذلك في كثير من الأحيان لا تقتنع المحكمة بتقرير لجنة الخبرة الطبية، فأحياناً يكون هناك شهود ووقائع معينة وقرائن تكون مناقضة للخبرة الطبية فنحكم بنقيضها، لذلك ليس الخبرة الطبية دوماً هي الفيصل في هذه الدعاوى”.

وبالنسبة للتعويضات فهي كانت سابقا خجولة، لكنها حالياً باتت مناسبة، ففي حالة الوفاة فإن قيمة التعويضات تتراوح ما بين 20 إلى 40 مليون ليرة كتعويض مادي ومعنوي، وإذا كان هناك نفقات عمليات جراحية بمستشفيات موثقة بفواتير نظامية يتم دفعها مهما كانت قيمتها.

لم نوفق في الحصول على إحصائية حول عدد الدعاوى المتعلقة بالأخطاء الطبية، إلا أن المحامي العام بدمشق أوضح أنه “ليس هناك رقم محدد، لكن شهرياً يتم تحريك 2-3 دعاوى معظمها متعلقة بأخطاء أثناء إجراء عمليات تجميل “تشوهات البوتكس والفيلر” وقص المعدة، مشيراً إلى تسجيل وفاة بمعدل وسطي كل شهرين جراء عمليات قص المعدة، وفي أحد الأسابيع كان هناك حالتي وفاة للطبيب نفسه، إنما حالياً كل ثلاثة أشهر حتى نسمع عن حادثة وفاة جراء عمليات قص المعدة.

القانون في الطريق:

وحول أهمية وجود قانون للمسؤولية الطبية قال نقيب الأطباء: كل الدول القريبة والبعيدة لديها قانون للمسؤولية الطبية، ويجري حالياً العمل على الانتهاء من التعديلات الخاصة بهذا القانون بعد أن تم عرضه على مجلس الوزراء كمسودة قانون بحيث يكون إلزامي، وتم وضع مشرعات طبية تكون بمثابة مرشدات وبروتوكولات وطنية علاجية تشكل على أساسها اللجان الطبية التي ستحكم على وجود الخطأ أو الاختلاط، وصولاً إلى قانون المسؤولية الذي سينظم العلاقة بين الطبيب والمريض لحماية الطرفين.

فندي لم يلق اللوم على الطبيب المتمرن بنسبة الأخطاء الطبية قائلاً: قد يرتكب الطبيب المتمرس خطأ لا يرتكبه في بعض المرات الطبيب المتمرن، وهذا يقاس بحسب العمل الذي يقوم به الطبيب المبتدئ الذي لا يقوم بأعمال جراحية معقدة بينما الأعمال الكبيرة يقوم بها جراحين كبار.

وبالنسبة للشكاوى التي تصل إلى النقابة أكد أنه لا يتم إهمال أي  شكوى تقدم إطلاقاً، حيث يتم تشكيل لجان طبية لإثبات وقوع الخطأ أو عدم وقوعه، مشيرا إلى أن الإجراءات لدينا من الناحية المسلكية أسرع من القضاء، فالطبيب المخطئ يحال إلى مجلس مسلكي أو مجلس تأديب بحسب نوع الخطأ، وهناك مجلس فرعي يحق للطرفين الطبيب أو المريض الاعتراض  للمجلس المسلكي التي تصدر قراراته بشكل غير قابل للطعن إلا في حالة واحدة إذا كان سحب الترخيص لمدى العمر  يمكن للطبيب اللجوء إلى محكمة النقض، وهناك حالات كثيرة لأطباء تم سحب شهادتهم لأشهر ولسنوات، ويكون ذلك عن طريق النائب العام وتختم العيادة بالشمع الأحمر، ولا يعاد فتحها إلا بإعلان من وزارة الصحة .

وحول مصير الشكاوى أفاد بأنه في حال ثبوت الخطأ يتم تعويض المريض مادياً، ولكن يضاف إلى ذلك العقوبة المسلكية قد يكون هناك تعويض مادي، لكن التعويض ليس الوحيد هناك عقوبة مسلكية حتى لو تنازل المريض

وبالنسبة لسجن الطبيب قال فندي “للأسف يخضع للقانون العام لكن بوجود قانون المسؤولية الطبية قد يعاد النظر بذلك فهناك دول تكتفي بالعقوبة المسلكية والعقوبة المادية دون الحبس، وهذا ما نسعى إليه مهما كان الخطأ فهو غير مقصود وبدون وجود خبرة طبية تؤكد وقوع ذلك الخطأ، وما قبل ذلك الحبس غير قانوني، ولكن نحن طلبنا أن يعامل الطبيب معاملة خاصة في السجن وألا يحبس مع أصحاب السوابق والأفعال الإجرامية لأن ما يقوم به الطبيب ليس بقصد الإيذاء، وإنما بقصد النفع فجريمته ليست مقصودة”

معيار الخطأ بالقانون:

يتعمق أكثر أستاذ القانون الخاص بكلية الحقوق بجامعة دمشق الدكتور فواز صالح في شرح الأثر القانوني للخطأ الطبي في سوريا، ويقول في حديث لـ”أثر برس” المسؤولية الطبية ثلاثة أنواع: مسلكية، مدنية، وجزائية، فالمسؤولية الجزائية يحكمها مبدأ المشروعية وهذا المبدأ منصوص عليه في الدستور إذ لا عقوبة من دون نص قانوني نافذ وقت ارتكاب الجرم.  وأعطى مثالاً يعود لما قبل عام 2000 حينما كان الحديث عن الاستنساخ حينها جرمت أكثر من 50 دولة هذا الموضوع، وأصدرت قانون تعد فيه ذلك جريمة عقوبتها تصل إلى 20 سنة لمن يقترف ذلك.

وتابع: وعلى فرض استطاع شخص ما استنساخ كائن بشري في سوريا فهذا عمل لا يعاقب عليه القانون، واستناداً إلى هذا المبدأ فإن الخطأ الجزائي محدد على سبيل الحصر، وبالتالي إذا ارتكب أحد خطأ غير منصوص عليه بقانون العقوبات لا يشكل جرماً على عكس الخطأ المدني الذي تحكمه قاعدة عامة هي المادة 164، والتي تقول: “كل من ارتكب خطأ ألحق ضرراً بالغير يلتزم مرتكبه بالتعويض “.

وقال: إن معيار الخطأ بالقانون هنا هو سلوك الرجل المعتاد، وهو شخص افتراضي غير موجود، وهو من أواسط الناس لا شديد الحرص ولا كثير الإهمال وعلى ذلك يتم قياس سلوك المدعى عليه الذي نسب الخطأ له بسلوك هذا الرحل الافتراضي فإذا كان مطابق لسلوكه أو أشد حرصاً، فمعنى ذلك أنه لم يرتكب خطاً، وإذا كان أقل حرصاً فمعنى ذلك أنه ارتكب خطأ، وفي إطار المسؤولية الطبية يمكن أحياناً أن يكون الخطأ في الوقت نفسه خطئاً مدنياً وجزائياً ومسلكياً، وبالتالي يستوجب ثلاثة أنواع من المسؤوليات كل مسؤولية لها جهة مسؤولة،  فالمسلكية مسؤولة عنها نقابة الأطباء، والمدنية كأصل للقضاء المدني والمسؤولية الجزائية للقضاء الجزائي، لكن القانون أجاز للمتضرر اذا كان الخطأ في الوقت نفسه خطأ جزائياً أن يرفع دعواه بالتعويض أمام القضاء الجزائي، وينظر بالدعوى الجزائية والمدنية معاً.

وعرج صالح تاريخياً على المسؤولية الطبية التي كانت معروفة بالحضارات القديمة عند الفراعنة والبابليين والإغريق والرومان حيث كانت تقع أشد العقوبات على الطبيب، وتصل في بعض الأحيان إلى القتل، وفي القوانين المعاصرة أجيز التداوي عن طريق عمليات جراحية والعملية الجراحية هي اعتداء بمعنى إيذاء، ولكن هناك سبب تبرير إذا توافرت الشروط وأهمها كقاعدة عامة هي موافقة المريض أو أهل المريض على إجراء العملية، إلا إذا كان هناك حالة اضطرارية كحادث سير يتم إسعاف المصاب وإجراء العملية له بدون أي موافقة

ويقول صالح “إنه في إطار المسؤولية الجزائية  لبعض الجرائم التي لا يرتكبها إلا الطبيب مثل الإجهاض والقتل الرحيم، فإذا ارتكب الطبيب مثل ذلك العمل يعاقب جزائياً، وكذلك إعطاؤه تقرير كاذب يعتقد أنه يخدم الشخص فيلاحق الطبيب بالجرم، في حين المسؤولية المدنية في القوانيين المعاصرة لم تكن هذه المسؤولية منظمة، والقانون المدني  الفرنسي أول قانون معاصر في العالم 1804  لكنه لم يتضمن نصاً عن المسؤولية المدنية، لكن نتيجة التطور وجد المشرع في كثير من الدول  أنه لابد أن يكون هناك قانون خاص بالمسؤولية الطبية، فبدأت الدول تصدر قوانين خاصة بالمسؤولية الطبية سواء كانت مسؤولية مدنية أو جزائية، وأول قانون في فرنسا حول المسؤولية الطبية كان عام 2002 يسمى قانون كوشنير الذي قدمه وزير الصحة الفرنسي  لتعديل قانون “العقوبات والمدني والصحة العامة  “حيث أدخل  قواعد خاصة بحقوق المريض وبالمسؤولية المدنية إن كانت جزائية أو مدنية “.

اليوم في معظم دول العالم هناك قانون خاص بالمسؤولية الطبية، ومن هذه الدول في منطقتنا العربية ليبيا وصدر فيه القانون عام 1987، وفي لبنان صدر عام 1994، وفي الإمارات عام 2008، وتم تعديله، والأردن لديها قانون للمسؤولية الطبية وصدر منذ عامين.

ميساء العلي

اقرأ أيضاً