هل ستدخل تركيا إلى شرق الفرات أم أنها مناورة أمريكية جديدة؟

بصورة غير منطقية، تنعطف التصريحات الأمريكية عن مسارها السابق بخصوص العملية العسكرية التركية في شرق الفرات ، في تغيير يحمل بين طياته العديد من الاحتمالات، التي قد تصب بالمناورات الأمريكية.

فبعد يوم واحد من تصريحات البنتاغون بأن “أي عملية عسكرية غير منسقة من قبل تركيا ستكون مصدر قلق بالغ لأنها ستقوض مصلحتنا المشتركة” يخرج البيت الأبيض اليوم ببيان منفصل تماماً عن ما سبقه بعد مكالمة هاتفية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ونظيره التركي رجب طيب أردوغان جاء فيه: “قريباً تركيا ستمضي قدماً في العملية المخطط لها منذ فترة طويلة في شمال سورية”، مؤكداً أن “القوات الأمريكية لن تدعم أو تشارك في العملية”، مشيراً إلى أنها “لن تكون متواجدة في منطقة شمال سورية بعد نجاحها في القضاء على تنظيم داعش هناك” حسب البيان.

بيان البيت الأبيض يدفعنا للعودة إلى حدث مماثل قبل أشهر عندما أعلن الرئيس الأمريكي عن قراره المفاجئ بسحب القوات الأمريكية من سورية في الوقت الذي كانت تتعرض فيه الولايات المتحدة في شرق الفرات إلى ضغوط تركية مماثلة، بعد ذلك بأشهر تكرر السيناريو نفسه عندما أعلنت الولايات المتحدة عن موافقتها على إنشاء المنطقة الآمنة ونشرها صوراً لإزالة السواتر والحواجز تمهيداً لتطبيق الاتفاق الذي لم ير النور واقتصر على بعض الدوريات المشتركة، كل تلك الأحداث وغيرها يدفعنا للتشكيك بحديث الإدارة الأمريكية الأخير أو حجمه وبطبيعة التصريحات الأمريكية التي غالباً ما تتنافى مع ظاهرها خصوصاً وأن الاستراتيجية الأمريكية في سورية تتشابك مع الكثير من الملفات سواءً موضوع أمن الكيان الإسرائيلي أو الاستمرار في جلب الأموال من السعودية مقابل منع التقدم التركي أو حتى المشروع الأمريكي الاقليمي للانفصال الكردي.

بالمقابل نشرت مواقع كردية صوراً تظهر انسحاب الآليات الأمريكية من مناطق رأس العين وتل أبيض المحاذية للحدود السورية – التركية بالتوازي مع تصريحات لـ “قسد” ادعت فيها أن القوات الأمريكية لم تفِ بالتزاماتها وانسحبت من الحدود مع تركيا، منوهةً إلى أنها لن تتردد في مواجهة تركيا.

هذه المجريات تطرح سؤال ملفت، إذا كانت الولايات المتحدة جدية في حديثها فلماذا لم تقبل بالعرض التركي السابق المتمثل بالمنطقة الآمنة والذي يضمن بقاء قواتها في المنطقة برفقة القوات التركية دون أن تنسحب؟

يرى مراقبون بأن الولايات المتحدة تريد إسكات تركيا عن طريق تقديم بعض الكيلومترات لها في شمال سورية كمبادرة حسن نية أمريكية، ومن خلال انسحابها ستجبر الأكراد على الانسحاب من تلك المنطقة وإلّا سيكون مصيرهم الموت أمام الطائرات التركية التي أثبت عملياتها العسكرية في الشمال السوري بأنها لا تفرق بين الحجر والبشر.

الأمر المستغرب أكثر من التصريحات الأمريكية هو الموقف الكردي تجاه تلك المجريات وعدم استنجادها بدمشق كما كان يجري في السابق، ما يذهب بنا إلى النتيجة التي ذكرناها سابقاً بأن الولايات المتحدة وقد يكون بتفاهم مع “قسد” تريد اسكات الأتراك ببضع الكيلومترات والتي قد لا تتعدى الخمسة، لكن الميزة أنها منطقة غير مشتركة وسيكون لتركيا سلطتها الكاملة عليها.

من سيدفع الثمن الأكبر هم أهالي تلك المناطق الموجودة على الحدود كتل أبيض ورأس العين التي انسحبت منها الولايات المتحدة والذين سيشكلون أول “كبش فداء” في التجاذبات السياسية الأمريكية – التركية التي يبدو أنها ستمتد إلى إطار أوسع في حال بقي الأكراد بعيدين عن رؤية الحل الحقيقي والمستمر وهو العودة إلى دمشق التي تمتلك الحل الأمثل بانتشار القوات السورية على طول الحدود مع تركيا والذي ينفي حجة الأتراك بوجود تنظيمات كردية مسلحة تهدد أمنها القومي.

رضا توتنجي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.