نساء من الشرقية يواجهن ظروف النزوح بأي مهنة متوفرة.. تكاليف المعيشة تجبر على المهن الشاقة

خاص || أثر برس تعمل “سمية”، لأكثر من 14 ساعة في مزارع القطن القريبة من “مخيم السد”، الذي يبعد 15 كم عن الحسكة من الجهة الجنوبية، وهي تعمل ضمن “ورشة” فيها عدة نساء عاملات، اللواتي ينتقلن بشاحنة صغيرة إلى مكان العمل، ليقمن بتفريد شتلات القطن وإزالة الأعشاب من حولها، وهي ثاني مراحل زراعة القطن، إلا أن العمل المضني الذي تقوم به لا يغطي الدخل الذي تحتاجه أسرتها لمواجهة ظروف النزوح.

تؤكد الفتاة البالغة من العمر حوالي 20 عاماً، إن الحصول على عمل خارج الأراضي الزراعية مسألة شبه مستحيلة، فقد عملت سابقاً في حقول “البندورة”، التي تعد من الزراعات التي بدأت تزدهر في المحافظات الشرقية لسد احتياجات السوق، إلا أنها لم تبحث عن مهنة داخل مدينة الحسكة، لكون الوصول إليها ممنوع وفقاً لـ “قوانين قوات سوريا الديمقراطية”، بدون الحصول على “ورقة كفيل”، وأغرب المهن التي عملت فيها “سمية” كانت ضمن “مكبس بلوك” في بلدة العريشة إلى جانب عدد من نساء المحافظة.

دروس خصوصي.. ولكن

تؤكد مريم خلال حديثها لـ “أثر برس”، إنها لم تتمكن من الحصول على وظيفة حكومية بشهادة “الأدب العربي” التي تحملها منذ ما قبل بداية الحرب على سورية، وبعد نزوحها من مدينة “دير الزور” وعدم قدرتها على العودة إليها لكون منزلها ضمن الأحياء المتضررة في المدينة، فإنها تعمل على إعطاء التلاميذ من أعمار صغيرة دورساً خصوصية في منزلها أو منازلهم، كما أنها تقوم بتدريس طلاب شهادتي التعليم الأساسي والثانوي من الفتيات ضمن منزلها بأسعار أقل بكثير مما يتقاضاه المدرسون المعينون في مدارس الحكومة السورية، أو تلك التي تسيطر عليها “قوات سوريا الديمقراطية”.

لم تفكر السيدة التي تبلغ من العمر 33 عاماً، من الذهاب للبحث عن فرصة عمل ضمن المدارس التي تسيطر عليها “قسد”، إذ تقول: “إن العمل مع جهة غير حكومية يعد مخاطرة كبيرة، خاصة وإن “الأسايش”، يقتحمون أي مدرسة دون سابق إنذار لاعتقال المدرسين المخالفين للقوانين الخاصة بهم، وهذه القوانين إن صح التعبير تتغير بين اللحظة والثانية، وقد يعتقل الشخص دون معرفة منه بسبب الاعتقال”.

وتؤكد “ميسون”، التي تحمل إجازة في الرياضيات على كلام صديقتها، إذ إن البحث عن فرصة عمل في مدينة الحسكة أشبه بالمستحيل، وإن النساء اللواتي يحملن إجازات جامعية إن لم يحصلن على وظيفة حكومية، فليس أمامهن إلا العمل كـ “سكرتيرة” في أحد المكاتب، أو “ممرضة” في إحدى العيادات، وأجور مثل هذه المهن لا تزيد عن 20 ألف ليرة في الشهر في أحسن الأحوال، والبحث عن استثمار خاص في المحافظات الشرقية يعني مغامرة كبرى برأس المال.

ميسون هي واحدة من نساء الشرقية ممن يقومون باتخاذ إعطاء الدروس الخصوصية للتلاميذ من أعمار صغيرة مهنة لهن، ولم تفكر نهائياً في تقديم أي درس لطلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية على الرغم من أن الناس بدأت تبحث عن المدرسين الذين يتقاضون أجوراً قليلة قياساً بغيرهم، وكانت ميسون قد تقدمت لأكثر من مسابقة تعيين لدى مديرية التربية بالحسكة ولم يحالفها الحظ بالحصول على وظيفة بعد.

الحشائش.. مصدر رزق

تقول “أمينة” لـ”أثر برس”، إن بيع الحشائش في سوق الخضار يعتبر مهنتها حالياً، وهي مهنة تقسم على دوامين، في الأول تبيع الحشائش على بسطتها الصغيرة في السوق، أما في الدوام الثاني، فهي تطوف على ضفتي نهر الخابور للبحث عن الحشائش التي تقطفها لتعدها للبيع في اليوم التالي، وقد كانت السيدة التي تبلغ الأربعين من عمرها تعمل كـ “مستخدمة”، في إحدى المدارس في قريتها الواقعة إلى الشمال من مدينة “البصيرة” في ريف دير الزور الشرقي، ثم انتقلت إلى العمل في الحقول الزراعية بعد سيطرة الفصائل المسلحة على القرية في العام 2012، لتستقر في بيتها دون عمل طيلة سيطرة تنظيم “داعش”، وانتهى الأمر بأسرتها بالنزوح بسبب القصف الأمريكي قبل عامين إلى مدينة “الحسكة”.

فصل الربيع بالنسبة لـ “أمينة”، هو موسم عمل طويل، وخلال فصل الصيف تعمد لشراء البضاعة من تجار الجملة، إذ تستعيض عن الحشائش البرّية ببيع “البقدونس – الكزبرة الخضرة”، وغيرها من الأعشاب التي تحتاجها الأسرة، وهي تجارة بسيطة إلا أنها تؤمن بعضاً من الدخل لأسرتها النازحة من ريف دير الزور الشمالي إلى مدينة الحسكة، وقد تكلفت هذه الأسرة مبالغ طائلة حتى حصلت على “الكفالة” وعلى “الموافقة الأمنية”، التي تستصدر من “قوات سوريا الديمقراطية”، والأخيرة تضع عراقيل كبيرة أمام النازحين لتجبرهم على دفع “رشاوي”، تصل إلى مليون ليرة سورية أحياناً.

تعد نساء الشرقية الحلقة الأضعف في سلسلة النزوح والمعاملة القمعية من قبل “قوات سوريا الديمقراطية”، ولعل الواصلين إلى مدينة “الحسكة” أفضل حالاً من الذين يقطنون في مدينة “الرقة”، والمهددين بالترحيل إلى المخيمات في أي لحظة بحجة “عدم وجود كفالة”، وكنتيجة طبيعية لغلاء المعيشة يضطر النازحون للبحث عن عمل، الأمر الذي يجبر النساء على الدخول في مجالات مهنية غير متوقعة.

محمود عبد اللطيف – المنطقة الشرقية

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.