من سيُنزل أردوغان عن الشجرة؟

تصريحات نارية أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال كلمة ألقاها أمام أعضاء حزب العدالة والتنمية يوم أمس الأربعاء، عندما قال إن “الطائرات التي تقصف في إدلب لن تستطيع التحرك بحرية كما كانت في السابق”، وتابع: “أقولها علناً، لن يكون أحد في مأمن في مكانٍ أُهدر فيه دم الجنود الأتراك، ولن نتغاضى بعد الآن عن عمالة أو حقد أو استفزاز أيّ كان”، في كلام رأى فيه البعض بأنه إشارة إلى القوات الروسية.

تصريحات أردوغان عالية السقف جاءت بعد العديد من المحاولات العسكرية لتغيير الواقع الميداني بالقوة حيث شنت “جبهة النصرة” يوم أمس، هجوماً جديداً وبتغطية نارية تركية على محورَي كفرحلب وميزناز في ريف حلب الجنوبي الغربي، في محاولة فاشلة منها لاستردادهما، لذلك سعى الرئيس التركي إلى رفع سقف تصريحاته لوقف عمليات الجيش السوري هناك، لكن السؤال في حال استمرار الجيش السوري بعملياته (وهو ما يبدو حالياً) ماذا سيكون موقف أردوغان من تلك التهديدات التي قالها؟

يبدو من الواضح بأن تلك التهديدات غير قابلة للتنفيذ وإن دُعمت بتحرك بعض الآليات العسكرية إلى داخل إدلب فعلى صعيد العلاقات الروسية – التركية من المرجح ألّا يضحي الرئيس التركي بالاتفاقات العميقة التي أغرقها به الرئيس بوتين، فهناك عدداً كبيراً من المشاريع المشتركة الأخرى التي يناقشها الجانبان بعيداً عن إدلب، فقد تم استثمار قدر كبير من المال والجهد، في “إس-400″، والسيل التركي، ومحطة أكويو للطاقة النووية، في ظل رغبة تركية واضحة باستكمال هذه المشاريع، لذلك لن يتعدى الموضوع تقديم المزيد من الدعم لـ”جبهة النصرة” دون الدخول بأي إجراء على حركة الطيران الروسي بالعملية العسكرية.

وعلى صعيد الداخل التركي يعاني الرئيس التركي من الأصوات المعارضة لسياسته في التدخلات الخارجية خصوصاً بعد مقتل جنود أتراك في سورية وهو ما بدى بشكل واضح في خطابه الذي توجه بجزء منه للمعارضة التركية عندما ادعى بأنه من واجب كل تركي مناصرة “المدنيين في إدلب” حسب وصفه، فإن أي تصعيد قد يُقدم عليه الرئيس التركي في سورية من شأنه أن يرفع الأصوات المعارضة له أكثر في تركيا، خصوصاً وأن أردوغان يتناسى خلال تصعيداته الحديث عن 7 نقاط مراقبة تركية يحاصرها الجيش السوري ويوجد في كل نقطة أكثر من 100 عسكري تركي سيكونوا تحت مرمى النيران السورية في حال حاول تطبيق أي من تصريحاته وخسر قواعد الاشتباك في مناطق سورية خارج إدلب حسب قوله.

ناهيك عن كل ذلك فإن الاقتصاد التركي (الذي يعتبر من أهم إنجازات أردوغان التي يواجه بها معارضيه) سيتأثر بشكل كبير في حال الدخول بأي تصعيد عسكري في سورية، فبعد تهديدات أردوغان هبطت الليرة التركية، حسب “رويترز” حوالي 0.8%، مسجلة أدنى مستوى منذ مايو 2019، ما يشير إلى أنها ستشهد انهيار في حال الدخول بتلك العمليات وهو ما يعتبر أحد أهم أوراق الضغط على أردوغان في حال تم ذلك.

كل ذلك يشير إلى أن الرئيس التركي لن يتمكن من تطبيق تهديداته ما يؤطر تلك التهديدات بإطار الضغط السياسي لوقف العمليات العسكرية، لكن في حال استمرت العمليات كيف سيكون موقف أردوغان بعد تلك التصريحات التي في حال عدم تطبيقه لها ستنكسر صورته كقائد عثماني في العصر الحديث والتي عمل عليها لسنوات طويلة؟

قد تعيدنا تلك المجريات إلى عام 2018 عندما خرج ترامب بتهديدات مشابهة بعد الحديث عن الهجوم الكيميائي المزعوم على مدينة دوما في ريف دمشق وانتهى الأمر بعدة ضربات جوية قامت بها كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة اقتصرت على بعض المواقع محدثةً بعض الأضرار المادية، إلّا ان تلك الضربات التي تحدثت العديد من التقارير بأنه قد تم إعلام روسيا بحيثياتها لإفراغ النقاط المستهدفة وليكون الهدف منها إنزال ترامب عن الشجرة بعد تصريحاته بشن ضربات على سورية.

قد تنتهي تصريحات أردوغان بسيناريو مشابه لأن المجريات الميدانية توحي بأن العمليات العسكرية مستمرة على قدم وساق ولن يتمكن أردوغان من تنفيذ أي من تهديداته، فهل سيساعد بوتين أردوغان في الخروج من المأزق الذي وضع نفسه فيه؟

رضا توتنجي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.