من زعيم ميليشيا إلى مليونير ثم مُبعَد.. “أحمد العودة” خارج معادلة درعا.. استقرارٌ في الجنوب أم عودة بمشروع جديد؟

لعلّه أحد أبرز “لوردات” الحرب وأهم وجوه الحراك العسكري المسلح في الجنوب السوري على مدى سنوات، أحمد العودة، القيادي السابق في إحدى الميلشيات المسلحة قبل عام 2018، وقائد اللواء الثامن في الفيلق الخامس التابع للجيش السوري بعد ذلك التاريخ، مدرس اللغة الإنكليزية الذي حوّلته “الثورة” إلى زعيم ميلشيا ثم “مليونير”، وهو صاحب الامتيازات والامتدادات والعلاقات التي تجاوزت حدود غرفة الموك، والورقة “الجوكر” التي لعبت بها أجهزة استخبارات إقليمية وعربية، قبل أن تتلقفها موسكو برشاقة، لتعيد رميها في جولة رابحة.

تزعم “أحمد العودة” فصيل “شباب السنة”، تشارك العمل المسلّح إلى جانب أقوى فصيلين مسلحين في المنطقة الجنوبية خلال سنوات الحرب الأولى “حركة المثنى الإسلامية” و “جبهة النصرة”، قبل أن ينقلب عليهما عام 2015 بعد مشاركتهما في إخراج الجيش السوري من مسقط رأسه “مدينة بصرى الشام”، وبعد أن وردت توجيهات من غرفة “الموك” لطردهما من المدينة.

منذ ذلك الحين اشتهر العودة ببيع “رفاق سلاحه” لمن يشتري في غرفة الموك أو أبعد منها، واستعداده لتنفيذ أجنداتٍ خارجية مقابل تعويمٍ ودعمٍ لا محدود، برز بصورته الأجلى عندما قطّعت غرفة الموك كل أقنية الدعم المالي والعسكري، رافعة غطاء سنوات من التوجيه والاستثمار والخطط عن فصائل الجنوب، مع استثناءٍ وحيد تمثّل بـ “أحمد العودة”.

العودة الذي لحق على نحو مفاجئ ركب التسويات في الجنوب السوري، لم يكن انخراطه فيما يعرف بالفليق الخامس، كقائد لأحد ألويته (اللواء الثامن)، كافياً لقطع صلاته ببعض العواصم، التي يعكر هدوء درعا والجنوب السوري صفوها، ولعل تلك الامتدادات – ما بعد الحدود – للعودة كانت سبباً في الإطاحة به مؤخراً وفق ما أكدته مصادر خاصة لأثر.

حيث كشفت مصادر خاصة في المنطقة الجنوبية لـ “أثر”، أن روسيا عمدت بداية العام الجاري 2021، لعزل العودة من قيادة اللواء الثامن في الفيلق الخامس، وجاءت عملية العزل (وفق ما نقلته المصادر)، “بسبب تنامي دور العودة وتعدد ارتباطاته الخارجية التي لم تتراجع طيلة سنوات التسوية رغم تسلمه قيادة لواء عسكري تابع للجيش السوري، كما لم تنقطع كل إيراداته المادية الخارجية التي تغذيه بها تلك الأطراف”.

وقالت مصادر أمنية خاصة لـ “أثر برس” إنها رصدت زيارات متزايدة للعودة إلى الأردن خلال الفترة الماضية، تلقى الرجل خلالها توجيهات من جهات استخباراتية عبر غرفة الموك للتحضير لتنفيذ “مشروع جديد” لم تعرف طبيعته، لكن المصادر رجحت أن يكون “المشروع” على صلة بملف معبر نصيب الحدودي، الذي طالب الجانب الأردني مؤخراً بتسليمه لـ “العودة” بدلاً من إدارة رسمية سورية له، واشترط الأردن وجود “العودة” لاستئناف حركة التجارة وعبور الشاحنات بين البلدين.

لكن أهم ما كشفته مصادر لـ”أثر” يتعلق بمغادرة العودة الأراضي السورية مؤخراً، رفقة عائلته، متوجهاً إلى دولة الإمارات، التي عمل فيها لسنوات مدرساً للغة الانكليزية، وتربطه مع قيادات فيها علاقات وثيقة، تعززت مع وجود زوج شقيقته “خالد علوان المحاميد” رجل الأعمال البارز في الإمارات، والذي يحظى هو الآخر بعلاقات واسعة مع أجهزة استخبارات عربية عدة.

المصادر ذاتها كشفت لأثر نبأ تعيين أحمد طعمه “يد العودة اليمنى” خلفاً له، لكنها (المصادر) أشارت إلى أن هذا التعيين مؤقت، حيث أن الأمور لم تستقر على “طعمه” بعد، وسط أنباء ضمن الفيلق الخامس حول إمكانية تعيين المدعو “علي المقداد” بديلاً له، وذلك يعود وفق المصادر إلى كون “طعمه” يتردد هو الآخر إلى الأردن ويلتقي بقيادات من غرفة الموك، وهو ما لا يحظى برضا دمشق وموسكو.

“العودة” وكنوز درعا.. قصة أخرى.

إلى جانب نشاطه العسكري، برز اسم “العودة” كقائد لفرق تنقيب وتقصٍّ، مهامها البحث عن كنوز وطمائر وثروات أثرية في درعا، وتقول معلومات المصادر الخاصة التي تتقاطع وروايات الأهالي، إن العودة نهب أطناناً من الذهب والكنوز في المحافظة الجنوبية، حولته في وقت متأخر من عمر الحرب إلى أحد أهم أثريائها بثروة طائلة يصعب تقديرها، وسعى العودة عبر هذه الثروة إلى شراء سطوته وبقائه كجزء من المعادلة الجنوبية في مراحل سابقة، قبل أن تتحول أطنان الذهب والارتباطات الإقليمية المتعددة إلى أحد أسباب إنهاء السطوة والبقاء.

“العودة” عاد بعد أن أقصي في وقت سابق.. فهل يتمكن من العودة مجدداً؟

في عام 2016، حدث انقلاب داخل فصيل العودة، وتمت السيطرة حينها على مستودعات الذخيرة والسلاح الثقيل، وهرب العودة إلى خارج بصرى، ولكن وبدعم من فصائل “الجبهة الجنوبية” استطاع اقتحام بصرى مجدداً وإعادة السيطرة على فصيله ومدينته.

المشهد الدولي اليوم أكثر فاعلية بكثير من المشهد الفصائلي السابق، لكن “العودة” يستند كما تشير الوثائق إلى صلات وثيقة مع أجهزة استخبارات عربية وغربية، ولعلَّ مثلث الدعم الأردني الإماراتي “الإسرائيلي”، وهذه الأخيرة تحديداً (إسرائيل) سبق وأن زارها العودة خلال سنوات الحرب كما تؤكد المصادر، لعلّه يقدم هذه المرة دعماً عبر القنوات الدبلوماسية بصورة مختلفة عن الدعم العسكري الذي قدمه عام 2016.

ويدرك الإماراتيون الذين لعبوا دوراً مهماً في تسويات درعا عام 2018 (حسب موقع “ميدل إيست أي” البريطاني) أن تغلغلهم في صفوف قيادات المسلحين وعناصرهم، إضافة إلى نقاط قوة أخرى، قد يسهم في الضغط لإعادة “العودة”، سيما أنه كان مرشحاً حتى وقت قريب لإطلاق مشروع عسكري بالتعاون مع دولة الاحتلال الإسرائيلي لإعادة تنظيم الفصائل في المنطقة الجنوبية، كشف العودة نفسه بعض ملامحه عندما تحدث عن إنشاء ما سُمي بـ “جيش حوران الموحد”.

ورغم عدم واقعية الطرح الإسرائيلي الإماراتي الجديد، إلا أن ترشيح “العودة” من قبل وفد استخباري إماراتي برئاسة العميد محمد الزهران الذي زار تل أبيب أواخر 2020، لإدارة المشروع الجديد، يعني بشكل ما أن الرجل يحظى بثقة أطراف إقليمية، لم تنفض يدها تماماً بعد من الاستثمار في ورقة القائد السابق لفصيل “أهل السنة”، فهل تضغط تلك الأطراف لإعادة العودة إلى الجنوب السوري، أم أن قراراً فعلياً اتخذ بوقف حالة الفلتان العسكري والأمني في الجنوب؟

رضا توتنجي

أثر برس

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.