من المستفيد الأكبر من إدخال لبنان في فراغ دستوري وحكومي؟

تتسارع تطورات المشهد اللبناني بعد استقالة الحكومة بصورة تعكس خطورة المرحلة المقبلة التي ينتظرها لبنان وما ستؤول إليه الأحداث خلال الأيام القليلة المقبلة.

فقبيل استقالة الحكومة وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت مستغلاً الفراغ الذي تخلت عنه في أزمته بعض الدول العربية الذي تعتبره شقيقاً لها، وقد تكون تعمدت ترك هذا الفراغ للرئيس الفرنسي لإحياء خطة جديدة من شأنها خلق حالة من الفراغ في السلطة اللبنانية التي يروج عبر وسائل الإعلام العالمية بأنها لا تمتلك الكفاءة لإدارة البلاد وهو ما ظهر بين كلمات الرئيس الفرنسي في زيارته لبيروت عندما قال إن فرنسا ستقدم مساعدات مباشرة للبنانيين وليس عن طريق الدولة.

تفجير بيروت جاء في توقيت شديد الحساسية في ظل توتر الوضع الداخلي بين مختلف الأقطاب اللبنانية وبالتوازي مع أوضاع اقتصادية سيئة يعاني منها لبنان ليكون هذا التفجير المفصل الذي من شأنه أن يغير مسار الأحداث في صورة تشبه إلى حد كبير اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري والذي وجهت أصابع الإتهام إلى حزب الله باغتياله ليعاد نفس السيناريو الآن وتلمح بعض الجهات إلى تحميل حزب الله مسؤولية انفجار بيروت.

كل تلك التطورات تجبرنا أن نفكر بأن التفجير ليس حادث طبيعي على الرغم من عدم توجيه أي طرف بأصابع الاتهام إلى أي جهة خارجية لكن توقيت التفجير ونتائجه والحديث الذي دار بعد حدوثه بمطالبات بتحقيق دولي يأتي ليصب في مصلحة الكيان الإسرائيلي الذي يريد أن يفقد لبنان سيادته والدفع باتجاه تدخل دولي يؤثر على الخطر الموجود على الكيان المتمثل بحزب الله.

يبدو أن سيناريو الحرب السورية يتكرر بصور تتناسب مع الطبيعية المجتمعية اللبنانية فكما بدأت الأحداث في سورية لتتطور بعدها إلى عمل عسكري تلاه تدخل دولي بذريعة حماية المدنيين والقضاء على “داعش”، يبدو أن المظاهرات الحالية في بيروت والتي تسعى إلى استفزاز جميع الأطراف تسعى إلى جر لبنان لنزاع مسلح يهيئ لتدخل دولي سيكون أبرز أهدافه نزع سلاح حزب الله بحجة حماية النسيج اللبناني لكن الهدف الرئيسي من كل تلك المجريات هو طمأنة قلوب المستوطنين الإسرائيليين من الخطر الذي يهدد وجودهم في فلسطين المحتلة.

وفي تتمة لتطبيق السيناريو السوري في لبنان نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين أمريكيين ومصادر مطلعة أن الولايات المتحدة تنوي فرض عقوبات على ساسة ورجال أعمال بارزين في لبنان عقب انفجار بيروت.

وقالت الصحيفة، في تقرير نشرته أمس الأربعاء، إن الانفجار، الذي قتل 160 شخصاً على الأقل وأصاب نحو 6 آلاف آخرين، سرع جهود واشنطن الرامية إلى إدراج زعماء لبنانيين متحالفين مع “حزب الله” في قائمتها السوداء وفرض عقوبات عليهم.

أكثر ما يستفز في النهج الأمريكي هو أن الولايات المتحدة تتحدث بأنها تريد الدخول في خطة لإعادة إعمار ما دمره الانفجار وتخاطب هي والرئيس الفرنسي الشباب اللبناني على أنها المنقذ لهم في حين تقوم بفرض تلك العقوبات التي من شأنها أن تزيد الضغوط على الاقتصاد اللبناني المنهار بسببها.

وفي تقرير آخر يؤكد كذب الإدارة الأمريكية كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية أن الولايات المتحدة كانت على علم بوجود نترات الأمونيوم في ميناء بيروت منذ عام 2016 وأضافت الصحيفة أن علم الولايات المتحدة بذلك وعدم إخبارها أحد بشأنها “صدم وأغضب الدبلوماسيين الغربيين الذين فقدوا اثنين من زملائهم في الانفجار كما أصيب آخرون منهم”، فلو كانت الولايات المتحدة تريد بحق الوقوف إلى جانب لبنان وشعبه لكانت على أقل تقدير سعت إلى إيجاد حل لتلك النترات، هذا في حال الاستناد على فرضية أن الولايات المتحدة و”إسرائيل” ليس لهما علاقة بالانفجار.

لا نقول أنه لا يوجد حالة فساد في السلطة اللبنانية وبأن الشعب اللبناني ليس محق بمطالبه لكن الحالة التي وصل إليها لبنان ليست بسبب الفساد فقط بل بسبب السياسات الاقتصادية الأمريكية تجاه لبنان التي أدت إلى انهيار الليرة اللبنانية، فاليوم أسقطت حكومة دياب، وغداً ستتحول المطالب لإسقاط الرئيس ميشيل عون، وبعد غد إسقاط رئيس البرلمان، ودخول البلاد في فراغ دستوري وحكومي يقود إلى فوضى وفتح الباب على مِصراعيه أمام التدخّلات الخارجيّة، وكل ذلك لا يصب إلّا في مصلحة الكيان الإسرائيلي.

 

رضا توتنجي

أثر برس

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.