مناعة القطيع.. داوِها بالتي كانت هي الداء !

“مناعة القطيع”، مصطلحٌ كثر استخدامه مؤخراً مع تفشي فايروس كورونا المستجد أو كوفيد 19، الذي تسبب حتى اللحظة بإصابة أكثر من مليون شخص حول العالم، وحصد آلاف الأرواح، لكن ما معاناه؟ وهل ينفع في مواجهة الفايروس الذي تحول إلى وباء عالمي؟.

بدايةً، هذا المفهوم ظهر بالتزامن مع دعوة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إلى اتباع هذه الاستراتيجية في مواجهة فايروس كورونا المستجد، لكنها سرعان ما انهارت وسط الانتشار الواسع للفايروس، الذي أصاب جونسون نفسه، وسط تحذيرات متزايدة صادرة عن أطباء وخبراء، من تطبيقها.

وتستند استراتيجية “مناعة القطيع” أو “المناعة بالعدوى” إلى عدم اتخاذ أي إجراءات صارمة تجاه تفشي الفايروس وممارسة الحياة بشكل طبيعي، بحيث يصاب معظم أفراد المجتمع بالفايروس، وبالتالي تتعرف أجهزتهم المناعية عليه، ومن ثم تحاربه إذا ما حاول مهاجمتها مجدداً.

ولمنظمة الصحة العالمية رأيها بهذه الاستراتيجية، حيث أوضحت أن البعض قد يكتسب مناعة ذاتية ضد بعض سلالات الإنفلونزا الموسمية، لكن هذا لا يعني أن يتم تطبيق هذا الأمر على فايروس كورونا.

العلماء بدورهم، حذروا من هذه الاستراتيجية، معتبرين أنها قد تُغرق النظام الصحي في البلاد، كما حصل في إيطاليا، ما قد يؤدي إلى وفاة أعداد كبيرة من الناس.

ويعتقد العديد من الخبراء أن معظم الناس في جميع أنحاء العالم سيصابون في نهاية المطاف بالفايروس، ما لم يتم تطوير لقاح أولاً والذي من المتوقع أن يستغرق ما لا يقل عن 12-18 شهراً، وعند هذه النقطة، فإن مناعة القطيع سوف تكون من الآثار الجانبية الإيجابية المحتملة، على الرغم من أن ملايين الناس سيموتون من أجل تحقيق ذلك.

أيضاً، مناعة القطيع تقول التالي: “إذا كان لديك مرض جديد مثل كوفيد 19، وليس له لقاح، فعندها سينتشر بين السكان، ولكن إذا طور عدد كافٍ من الأشخاص ذاكرة مناعية، فسيتوقف المرض عن الانتشار، حتى لو لم يكن جميع السكان قد طوروا ذاكرة مناعية”.

ومع الإجراءات الاحترازية المتّبعة في معظم الدول، والتي أدى بعضها إلى تراجع الاقتصاد وتوقف أعمال العديد من الناس، بدأ البعض يطالب بعودة الحياة إلى طبيعتها، واتباع استراتيجية “مناعة القطيع”، الأمر الذي رفضه العلماء بشدة خاصة وأن كورونا هو فايروس مستجد وقابل لتطوير نفسه، قائلين إن تطبيق هذه الاستراتيجية عملياً سيكون كارثياً بكل ما تحمل الكلمة من معنى لعدة أسباب، هي:

ـ مناعة القطيع تعني ملايين الوفيات.

ـ انهيار المؤسسات الصحية.

ـ زيادة أعداد الضحايا بين الأطباء والعاملين في القطاع الطبي عموماً.

ـ خسائر اقتصادية مرعبة.

ـ حتى هذه اللحظة لا يعرف العلماء ما هو عمر المناعة التي تتكون بعد الإصابة والتعافي، فلا توجد دراسات كافية عن المرض حتى الآن، فربما تستمر هذه المناعة لبضعة شهور وربما لسنوات.

ـ إمكانية تطور الفايروس، فماذا لو سمح العلماء بإصابة الملايين على أمل تكوين مناعة القطيع، ثم تطور الفايروس وظهر بنسخة جديدة مثلاً في الشتاء القادم.

ـ لا يوجد أي نموذج ناجح على فكرة مناعة القطيع.

ـ الواقع أثبت أنه لا بديل عن الحظر والإغلاق.

واعتبر العلماء أن مناعة القطيع هي فكرة بشعة وغير أخلاقية، فهي تعني ببساطة البقاء للأقوى، أو بمعنى أدق البقاء لصاحب المناعة الأقوى والأصغر سناً، مناعة القطيع تعني أن نضحي بالآباء والأجداد من أجل وهم الحفاظ على الاقتصاد.

إذاً، مناعة القطيع لا يمكن أن تتحقق بشكل فعال إلا من خلال وجود لقاح، أما ترك الفايروس ينتشر من أجل تبني نظرية لا دليل علمي على صحتها أو مدى فعاليتها، فهو بمثابة انتحار جماعي.

وتبقى الإجراءات الاحترازية المتّبعة والمتمثلة بالتباعد الاجتماعي مثل “منع التجمعات والحجر الصحي وتعطيل المدارس والجامعات والشركات والكثير من المؤسسات..”، هي الحل الأفضل والأقوى، وفي حال التزام المواطنين بشكل جدي فإن ذلك سيبطئ بشكل كبير معدل انتشار المرض وسينقذ آلاف الأرواح حول العالم.

وتشير الإحصائيات الأخيرة إلى أن فايروس كورونا أصاب حتى اللحظة أكثر من مليون و354 ألف شخص، وتسبب بوفاة أكثر من 75 ألف، فيما وصل عدد المتعافين إلى ما يقارب الـ 286 ألف.

ووسط كل هذا الجدل القائم حول مواجهة فايروس كورونا، فعلى ما يبدو أن نظرية داوِها بالتي هي الداء، لا تنفع مع هذا الوباء، وهل يا تُرى ستنتصر البشرية عليه؟، الأيام وحدها ستجيب على ذلك.

بتول حسن

أثر برس

 

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.