مقاربات الصراع في الشمال السوري (شرق الفرات وإدلب)

خاص || أثر برس كان دعم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لبعض الفصائل المسلحة في الشمال السوري منذ بداية الحرب في سورية نتيجةً لرغبته في القضاء على النفوذ السعودي على هذه المجموعات، وبذلك تتويجاً لانتصار الإخوانيّة الأردوغانيّة على الوهابيّة السعوديّة، مستنداً في السنوات الأخيرة ذلك على تفاهمات “أستانة” مع روسيا وإيران في تنفيذ مناطق خفض التصعيد الخمسة التي انتهت بإخراج عناصر الفصائل المسلحة غير الراغبين بالتسوية مع الدولة السورية في نهاية المطاف نحو محافظة إدلب.

عبر 13 نسخة من تفاهمات “أستانة” عمل أردوغان على إبقاء الفصائل المسلحة وقياداتها شمال سورية في شرق حلب وإدلب بمساحة تزيد على 6100 كم2، حيث جمع عشرات آلاف العناصر المسلحة، وخاصة في إدلب 15 ألفاً منهم من غير السوريين وينتمون إلى “جبهة النصرة” ممثلين في تنظيمي “الحزب الإسلامي التركستاني” و”حرّاس الدين” من المقاتلين الأجانب.

التلاعب التركي في الحيلولة دون إيجاد صيغة واضحة لتطبيق اتّفاق “سوتشي” الذي عُقد في أيلول الماضي عام 2018 مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مكشوف بالنسبة لروسيا والدولة السورية، فالدومينو السياسي الذي ينتهجه أردوغان لتحقيق مصالحه المشتركة بالتوفيق بعلاقاته بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والتي مكنته من احتلال مدن الباب وجرابلس وإعزاز منذ ثلاث سنوات في عملية “درع الفرات”، والأمر ذاته ينطبق على ما حصل في مدينة عفرين في آذار العام الماضي، لذلك إن القول بتأكيد الخلافات الظاهرية بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية محضُ وهم لا تعكرها بطبيعة الحال صفقة صواريخ S400 الروسية – التركية فما من شرط على تركيا في عضويتها لحلف الناتو يمنعها من شراء أسلحة من خارج دول حلف الشمال الأطلسي رغم التهديدات الأمريكية، ففي النهاية لا يمكن لتركيّا أن تغرّد خارج السرب الأمريكي – الإسرائيلي بشكل مطلق.

صحيحٌ أن الدعم الأمريكي لـ “قوات سوريا الديمقراطية” هو أساس الخلاف الأمريكي – التركي القائم، لكن الأتراك يدركون بأن الورقة الكردية لعبة غير كاملة بالنسبة للأمريكيين، يتنازلون عنها وفقاً لما يرضي علاقاتهم مع تركيا جزئياً، طالما ان مفهوم الإدارة الذاتية الانفصالية موجود شرق الفرات، والهدف غير المعلن منها هو استمرار الفصل الجغرافي البري بين العراق وسورية، وبالتالي يمتد الأمر إلى محاولتهم وقف المساعدات الإيرانية للدولة السورية، وتقرير البنتاغون الأمريكي في الامس الفائت حول مزاعم الولايات المتحدة الأمريكية بملاحظة عودة ظهور نشاط عناصر تنظيم “داعش” في العراق وسورية يصب في السياق نفسه.

إنّ الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلال حجّة العداء التركي لأكراد “قوات سوريا الديمقراطية” عملت على زيادة تسليحهم، ومن المفارقة أن قيادات الأخيرة التي يدعمها الأمريكيون مرتبطة بحزب “العمال الكردستاني” المصنف على لائحة الإرهاب في الأمم المتحدة.

لعلّ بعض أطراف الأكراد في سورية الذين ينتمون لـ “قوات سوريا الديمقراطية” ذات المكوّن الكردي الرئيس فيها، لا يزالوا يراهنون على قابليّة انفصالهم عن الدولة السوريّة غير مستفيدين من تجربة ما تعرضوا له في عفرين من قتل وتشريد، والاتّفاق الأمريكي – التركي في منبج، ولم يتبين لهم من خلال السياسة التركية في تتريك مدينة عفرين بالشمال السوري على أن النهج التركي في احتلال أراضٍ سوريّة بحجة عداوتهم سوف يستمر، وأنهم غير قادرين بأقل تقدير على الاندماج بحكومة مسعود البارزاني في إقليم شمال العراق (كردستان)، وهو الذي يعطي الضوء الأخضر للأتراك بضرب قيادات حزب “العمال الكردستاني” في جبل قندهار شمال العراق.

إن الاتّفاق الأمريكي – التركي على إقامة “المنطقة الآمنة” شرق الفرات في الشمال السوري لا يخرج عن كونه تغيّيراً ديموغرافيّاً خطيراً يترافق مع طرد السوريين من تركيا تمهيداً لتثبيتهم في هذه المنطقة بحدود 40-30 كم داخل الأراضي السوريّة.

والعمليات العسكرية المشتركة للقوات السورية بتغطية من الطائرات الروسية في محصلتها هي رد مفترض على التجاوزات التركية ونفاذ صبر سياسي خلّفه عدم الالتزام التركي بتطبيق مقررات “سوتشي”، ونقطة المراقبة التركية التي باتت شبه محاصرة في مورك في ريف حماه الشمالي باتت جاهزة للانسحاب مع قرب إطباق القوات السورية سيطرتها على خان شيخون في ريف إدلب الشمالي.

إن التصعيد الحاصل في الجغرافيّة السوريّة، والمشاحنات الدائرة في أروقة السياسة قد تفرض معادلةً جديدة في اتجاه إدلب، والعلاقة التركية – الروسية برغم عقلانيتها الظاهرة سوف تصطدم بتلاقي تركي – أمريكي لتفعيل قضية الكيماوي مثل كل مرة تتقدم فيها القوات السورية لاستعادة السيطرة على المناطق السوريّة.

علي أصفهاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.