كتب زياد غصن: أزمة الطاقة في العالم.. لا بديل عن الوقود الإحفوري حتى الآن!

خاص|| أثر برس أزمة طاقة جديدة بدأ يشهدها العالم، أولى ملامحها كانت مع مشاهد الازدحام أمام محطات الوقود في دول كبرى، انقطاع الكهرباء لفترات زمنية غير معتادة، ومن ثم ارتفاع أسعار حوامل الطاقة كالكهرباء والغاز والنفط، كل ذلك خلق خوفاً وقلقاً لدى شعوب العالم، لاسيما وأن فصل الشتاء على الأبواب، فما الذي يحدث؟ وما هي أسباب هذه الأزمة حالياً؟ وإلى ماذا سوف تؤدي؟

إذا كانت أزمة الوقود في بريطانيا سببها أن معظم سائقي الشاحنات التي كانت تنقل الوقود إلى محطات الوقود غادروا البلاد مع خروجها من الاتحاد الأوروبي ولأسباب قانونية، فإن الأزمة التي تشهدها دول أخرى في مختلف قارات العالم، ويتوقع أن يرتفع منسوبها خلال الفترة القادمة، لا ترتبط بحدوث انخفاض مفاجئ في كميات الإنتاج من النفط والغاز، أو ظهور مخاوف من انهيار في احتياطيات الدول المنتجة، وليس هناك نزاع جديد يهدد وصول النفط والغاز إلى الدول المستهلكة، وإنما أسبابها تكمن في ثلاثة أسباب رئيسية يوضحها الخبير في شؤون الطاقة المهندس علي عباس في حديثه إلى “أثر برس”.

فالسبب الأول بحسب رأيه يتمثل في “تبني معظم الحكومات لسياسة الحياد الكربوني التي يتم تطبيقها بسرعة دون النظر إلى آثارها السلبية حيث تم التخلص من الفحم والطاقة النووية بسرعة واستبدالها بالطاقة المتجددة (طاقة الرياح، الطاقة الشمسية….) والتي لها سلبيات أهمها: عدم الموثوقية والاستمرارية، ولذلك يتم اللجوء في حالات النقص بالطاقة إلى التعويض بالغاز الطبيعي والنفط والفحم، وبالتالي زيادة الطلب، وهذا أدى إلى زيادة أسعارها، والذي ينعكس سلباً على أسعار الطاقة التي أجبرت بعض شركات الكهرباء إلى الإفلاس”.

أما السبب الثاني فهو “مطالبة وكالة الطاقة الدولية للشركات والدول بعدم الاستثمار في النفط والغاز بهدف التقليل من نسب غازات الاحتباس الحراري، سيؤثر على موثوقية توفر مصادر الطاقة من الوقود الأحفوري وإلى زيادة أسعاره مستقبلاً، لأن العالم لايزال بحاجة الى الطاقة الأحفورية من غاز ونفط وفحم، إضافة إلى الطاقة المتجددة، لأن هناك نمواً في السكان والصناعة والاقتصاد بشكل عام لا يمكن تغطيته من الطاقة المتجددة فقط، وأكبر دليل ما يحدث حاليا في أسواق الطاقة بالعالم”.

ما سبق أدى إلى تراجع ملحوظ في حجم الاستثمارات الموظفة في عمليات الاستكشاف والتنقيب عن النفط، وهو ما شكل بنظر الخبير عباس السبب الثالث، إذ أن إجمالي قيمة استثمارات شركات النفط العالمية في مشروعات التنقيب والاستخراج تراجعت من 650 مليار دولار قبل أزمة كورونا إلى نحو 300 مليار دولار حالياً وفق ما أفاد به السيد غريغ هيل مدير التشغيل في شركة هيس كورب خلال مشاركته في منتدى بلاتس ابيك 2021، حيث تواجه شركات الطاقة دعوات متزايدة من جانب المساهمين والحكومات لزيادة إنفاقها على الطاقة النظيفة والتركيز على مستقبل أقل اعتماداً على الوقود الأحفوري”.

والنتائج:

هذه الأسباب اجتمعت مع عوامل داخلية خاصة بكل دولة أو بالإقليم ككل، وأسهمت تالياً في حدوث أزمة طاقة في هذه الدولة أو تلك. فمثلاً في حالة الصين يؤكد عباس أنه “نتيجة التعافي المبكر للصين من وباء كورونا، عاد سكانها إلى حياتهم الطبيعية والمصانع إلى العمل، فكان أن ارتفع حجم الطلب على المصادر الطبيعية للطاقة، مما أدى إلى ارتفاع أسعارها وخاصة الغاز الطبيعي تلاه الفحم الحجري وبعدها النفط ونجم عنه نقص في معروض الطاقة قادته الشركات المنتجة لها نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل، فضلاً عن التغيرات المناخية التي ضربت العالم وقلصت كميات الطاقة الكهرومائية والطاقة المتجددة، وخاصة الرياح”. ويضيف “إن زيادة استهلاك الطاقة المولدة من الوقود الأحفوري لتلبية تزايد الطلب على الطاقة أثر على تحقيق الأهداف البيئية للصين وفق التزاماتها الدولية، مما أجبرها على اتخاذ إجراءات تخفيض استخدام هذه الطاقة، والذي من الطبيعي أن ينعكس سلباً على النمو الاقتصادي، وتخفيض إنتاج المعادن والمواد الكيماوية والورق والبلاستيك …. الخ، وهذا سيؤثر على أسعار السلع المصدرة إلى العالم مع الأخذ بعين الاعتبار التزايد المستمر في تكاليف الشحن، وكما يقال عندما تعطس الصين يصاب العالم بالزكام”.

وإلى جانب تراجع إنتاج الصين وصادراتها إلى مختلف دول العالم، فإن ارتفاع أسعار حوامل الطاقة يعني عملياً إمكانية حدوث نقص في الإمدادات الطاقية، وتوقف بعض المصانع عن الإنتاج في الدول المنتجة كالصين والهند وغيرهما، وتالياً ارتفاع تكاليف الإنتاج، وحدوث نقص في حركة التجارة العالمية لجهة تدفق وانسياب البضائع والمنتجات إلى الأسواق المستهلكة، وكل ذلك “سيؤثر سلباً على الانتعاش الاقتصادي، وخاصة في مرحلة ما بعد وباء كورونا”.

موجة غلاء:

من المتوقع أن تتسبب أزمة الطاقة الحالية بموجة جديدة من الغلاء في الأسواق العالمية لأسباب مختلفة، فتأثيرات الأزمة الحالية ستطال الدولة الغنية والفقيرة على حد سواء مع تباين انعكاسها على سكان كل منها.

كما يشير المهندس عباس فإن هناك عدة نتائج سلبية للأزمة أهمها “أن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي والنفط والفحم سيؤدي إلى فوائد عديدة على الدول المنتجة، وخاصة التي تملك احتياطيات عالية ومستويات إنتاج كبيرة كدول منظمة أوبك+، ويمكن لهذه الزيادة أن تؤدي الى عودة زيادة الاستثمارات في قطاع الطاقة وخاصة الأحفوري منها، كما أن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي ووصوله إلى أرقام خيالية في أوروبا (ثلاثة أضعاف السعر الطبيعي) أثر على موثوقية الإمداد، وأدى الى تراجع عمل محطات توليد الطاقة الكهربائية”.

لكن الدول الفقيرة غير المنتجة ستكون الأكثر تضرراً، إذ ” ستعاني من ارتفاع أسعار الطاقة، وارتفاع أعباء نفقات الطاقة على حكوماتها، وهو ما سوف يخلق مشاكل اجتماعية واقتصادية كبيرة جراء ارتفاع الأسعار ونقص إمداد المنتجات الغذائية والسلع وغير ذلك.

ماذا يمكن أن نستخلص من الأزمة الحالية حيال مستقبل الوقود الأحفوري؟

على الرغم من كل ما يثار حول الآثار البيئية لاستخدامات الوقود الأحفوري، فإن العالم لا يستطيع بهذه السهولة الاستغناء عنه، خاصة وأنه تتوفر احتياطات هائلة من النفط والغاز المكتشف وغير المكتشف لابد من استثماره، ولذلك بدلاً من خلق القيود على تطوير هذه المصادر والاستفادة منها، والتوجه نحو الطاقات المتجددة عالية التكلفة، يجب على العالم العمل لتطوير تقنيات تساعد على استثمار المصادر الضخمة من الوقود الأحفوري وبأقل الأضرار البيئية، وهذا ممكن جداً بل ومقدور عليه في ضوء التقدم التقني الكبير.

زياد غصن

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.