كتب زياد غصن.. 21% منها استهدفت مطار دمشق الدولي ومحيطه: 29 اعتداءً إسرائيلياً على سوريا عام 2022

زياد غصن ـ خاص|| أثر برس

استمرت “إسرائيل”، وللعام العاشر على التوالي، في تنفيذ اعتداءاتها على الأراضي السورية، متذرعة بمواجهة النفوذ الإيراني المتزايد في سوريا تارة، والحيلولة من دون وصول أسلحة متطورة إلى حزب الله تارة أخرى، وقد بلغ عدد الاعتداءات المنفذة في العام الماضي، نحو 29 اعتداءً جرى في استهداف ما يقرب من 42 منطقة أو موقعاً منها ما تكرر الاعتداء عليه مرات كثيرة، بينما كان عدد هذه الاعتداءات في عام 2021 نحو 30 اعتداءً، أي أن وتيرة الاعتداءات في العامين الأخيرين حافظت على مستواها العددي، فهل هذا كان نتيجة “سياسة إسرائيلية” هدفها المحافظة على زخم ما تمكنت من تحقيقه بفعل ظروف الحرب السورية؟ أم أن تساوي عدد الاعتداءات جاء بحكم المصادفة وطبيعة الأهداف التي اتخذ قادة الحرب في “تل أبيب” قراراً باستهدافها؟

في هذا المقال محاولة لقراءة أبعاد وتفاصيل الاعتداءات الإسرائيلية، العوامل المؤثرة فيها، وماهية الرسائل المباشرة وغير المباشرة لها، والتوقعات لها في العام الجديد، سيما في ظل عودة الولايات المتحدة إلى التشدد في عقوباتها المفروضة على دمشق، وإعلانها وفاة مفاوضات الاتفاق النووي مع إيران، فضلاً عن تداعيات الحرب الأوكرانية.

حصيلة نهائية

أدت “الاعتداءات الإسرائيلية” في العام المنصرم، ووفق ما هو متداول، إلى استشهاد نحو 37 شخصاً بين عسكريين ومدنيين، وذلك نتيجة حصيلة 14 اعتداءً، وكانت هناك عملية اغتيال واحدة في قرية حضر بريف القنيطرة، على حين اقتصرت حصيلة 14 اعتداءً على الأضرار المادية فقط، ولا تتوفر إلى الآن أي بيانات أو تقديرات رسمية أو غير رسمية تتعلق بإجمالي الخسائر المادية، التي نجمت عن إجمالي الاعتداءات الإسرائيلية، مع الإشارة إلى أن معظم الاعتداءات استهدفت مواقع أو مناطق جغرافية كثيرة في الاعتداء الواحد.

وتظهر عملية تتبع التوزع الجغرافي لـ”الاعتداءات الإسرائيلية” أن جبهة المواجهة مع الجيش السوري جاءت في المرتبة الثانية لجهة عدد الاعتداءات، حيث جرى استهداف مواقع عدة في محافظة القنيطرة بنحو خمسة اعتداءات، فيما جاءت دمشق وريفها أولاً بنحو 19 اعتداءً، منها 9 اعتداءات استهدفت مطار دمشق الدولي ومحيطه بنسبة تشكل نحو 21% من إجمالي المواقع المستهدفة، ثم جاءت طرطوس، مصياف، ومطار حلب في المرتبة الثالثة بنحو اعتداءين لكل منها، وأخيراً تعرض مطار الشعيرات في حمص، ومواقع لم تحدد في المنطقتين الوسطى والساحلية لاعتداء واحد لكل منها، وحدها المنطقة الشرقية خرجت عن قائمة “الاعتداءات الإسرائيلية” على الرغم من حضورها على قائمة اعتداءات عام 2021، وهذا سببه على ما يبدو تصدر القوات الأمريكية الموجودة في المنطقة الشرقية أو منطقة التنف لهذه المهمة، مستخدمة في ذلك غالباً الطائرات المسيرة، وإذا كانت “تل أبيب” قد أسدلت الستار على اعتداءاتها في العام 2021 بالهجوم مرتين على مرفأ اللاذقية، مسجلة تطور خطير في مسيرة اعتداءاتها لتشمل بعض المنشآت الاقتصادية، فإنها في عام 2022 شنت اعتداءين أكثر خطورة من ذلك، واستهدفا استهدافاً مباشراً المرافق الخدمية لمطاري دمشق وحلب، الأول الحق أضراراً فادحة بمهابط مطار دمشق وببعض المعدات والتجهيزات الخاصة الأمر الذي تسبب بخروجه عن الخدمة، والثاني تسبب بأضرار مادية كبيرة لمطار حلب.

يضاف إلى هذين الهجومين العنيفين هجومان آخران صنفا أيضاً على أنهما عنيفين، الأول استهدف مركز البحوث العلمية في منطقة مصياف، والثاني استهدف في وقت واحد منطقة السيدة زينب، محيط مطار دمشق الدولي، ومنطقة الكسوة، وجميعها مناطق تقع في محافظة ريف دمشق.

وباستثناء اعتداءين تقريباً استخدم فيهما الجيش الإسرائيلي قذائف المدفعية والدبابات، فإن معظم الاعتداءات تمت برشقات من الصواريخ أطلقتها “الطائرات الإسرائيلية” من خارج المجال الجوي السوري، وتحديداً من الأجواء اللبنانية، الأراضي العربية المحتلة، ومن فوق هضبة الجولان المحتلة، تحسباً من الدفاعات الجوية السورية التي كانت قد أسقطت في العام 2018 طائرة إسرائيلية، فضلاً عن تزويد موسكو لدمشق بمنظومة إس 300، لكن اللافت أن هذا العام شهد اعتداءً نهارياً، وعلى غير المعتاد في الاعتداءات التي كانت تتم ليلاً جميعها.

متغيرات إقليمية ودولية

على الرغم من المتغيرات الداخلية والخارجية التي شهدتها “الساحة الإسرائيلية” خلال العام 2022، فإن تل أبيب حافظت على وتيرة اعتداءاتها على سوريا، ويمكن تحليل العلاقة بين بعض تلك التطورات، وبين استمرار تلك الاعتداءات باستعراض الملاحظات التالية:

-خروج “بنيامين نتنياهو” من رئاسة الحكومة لمدة زمنية معينة لم يؤثر في قرار استمرار “الاعتداءات الإسرائيلية”، وهو ما يؤكد أن قرار الهجوم على سوريا بيد “المؤسسة العسكرية الإسرائيلية” من ناحية، ويلقى تأييداً كاملاً من “القوى السياسية الإسرائيلية” من ناحية أخرى، ولذلك فإن وقف هذه الاعتداءات ليس مرتبطاً بتغيير سياسي في “إسرائيل”، وإنما سيبقى رهناً بقرار دولي يُفرض على تل أبيب، وتحديداً من قبل واشنطن.

-على الرغم من الخلاف “الروسي- الإسرائيلي”، والذي ظهر للعلن مع “الموقف الإسرائيلي” من الحرب الأوكرانية، وتأييد “تل أبيب” لكييف ودعمها عسكرياً، فإن “إسرائيل” لم تبادر إلى كسر ما رسمته من خطوط وقواعد على مدار السنوات السابقة، وباستثناء هجومها العنيف على مهابط مطار دمشق الدولي واستهدافها لأول مرة مطار حلب، فإن جميع اعتداءاتها بقيت ضمن هامش الأخذ والرد مع موسكو والخوف من رد غير محسوب في هذه المرحلة، ولم تتطور إلى استهداف منشآت اقتصادية بحجة وجود خبراء إيرانيين فيها أو تستثمرها شركات إيرانية.

-الأجواء الإيجابية التي رافقت بداية هذا العام المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية ثم توقفها في الأسابيع الأخيرة من العام نفسها لم يحدثا تغيراً ما في طبيعة ومستوى “الاعتداءات الإسرائيلية” على مواقع سورية بحجة وجود عسكريين إيرانيين فيها، وهذا ليس لأن “تل أبيب” تعزل المتغيرات الخارجية عن اعتداءاتها على الأراضي السورية، وإنما لأنها تنتظر الموقف الأمريكي النهائي من جهة، وتتحاشى مرحلة تجد نفسها في مواجهة رد إيراني تعلم أنه قد يحدث كما حدث في ملف الهجوم على السفن في الخليج والبحر الأحمر من جهة ثانية.

-الأوضاع في الأراضي العربية المحتلة وما تشهده من عمليات مستمرة ضد جنود الاحتلال والمستوطنين لم يكن لها ذلك التأثير في ملف التدخل العسكري في سوريا، والذي يمكن ملاحظته بوضوح، ومن دون شك هناك “رؤية إسرائيلية” ما لذلك، إما رغبة منها بعدم إظهار ضعفها أمام الانتفاضة الفلسطينية الجديدة إن قلصت من وتيرة اعتداءاتها على سوريا، أو لعدم الإيحاء أنها هربت إلى الساحة السورية بغية تحويل انتباه مواطنيها إن زادت عدد اعتداءاتها ومستوياتها.

الاعتداءات مستمرة

ومن المؤسف أن تكون إحدى نبوءات العام الجديد أن “الاعتداءات الإسرائيلية” على سوريا لن تتوقف، فما دامت الأزمة السورية مستمرة، والقوات الأمريكية حاضرة في أماكن مختلفة من الجغرافيا السورية والإقليمية، فإن “تل أبيب” لن تفرّط بما استطاعت أن تكسبه في السنوات السابقة، وسواء بقي الإيرانيون في سوريا أم خرجوا، فالكيان الصهيوني سيجد حجة أخرى في محاولته لتمرير اعتداءاته أمام الرأي العام الإقليمي والدولي.

مقالات ذات صلة