كتب زياد غصن.. مول الحمراء ليس آخر الكوارث: المنشآت والمعامل الكبرى لا تزال خارج مظلة التأمين!

زياد غصن ـ خاص|| أثر

قبل أن يقع حريق مول الحمراء قبل حوالي شهر من الآن، كان هناك حريقاً في حلب يلتهم معملاً ويتسبب بخسائر لمعامل أخرى مجاورة، القاسم المشترك بين الحريقين وغيرهما أن المنشآت المتضررة لم يكن لديها عقود تأمين ضد الحرائق، ولهذا كان خيار بعض الصناعيين في حلب فتح باب التبرع للتعويض ما أمكن عن أصحاب المعامل المتضررة.

وبغض النظر عن رمزية خطوة التضامن تلك، إلا أن مخاطر الحريق تبقى واحدة من مسببات القلق للمنشآت الكبرى في سوريا بعد انحسار مساحة المعارك والأعمال التي توصف بأنها إرهابية، فالمتعارف عليه خلال مجريات الحروب والنزاعات أن الأضرار التي تتعرض لها المنشآت جراء المعارك والأعمال الإرهابية على اختلاف أحجامها وأنشطتها غير مغطاة تأمينياً، ولهذا كانت خسارة وزارة النفط مثلاً فادحة عندما أقدم تنظيم “داعش” في العام 2017 على تفجير أكبر معمل للغاز في سوريا “حيان”، والذي قيل أن تكلفة إنشائه وصلت قبل سنوات الحرب إلى أكثر من 290 مليون دولار، هذا فضلاً عن الخسارة المترتبة على فوات المنفعة جراء توقف عملية استثماره.

وماذا بعد الحرب؟

لكن المعارك انحسرت عن مساحة واسعة من البلاد منذ قرابة الثلاث سنوات، والمنشآت أصبحت بعيدة عن دائرة الاستهداف الإرهابي، إذاً ما الذي يمنع المنشآت الكبرى في البلاد من التأمين ضد الحرائق والحرب والإرهاب وغيرها من الأضرار؟، هل هي مشكلة غياب الوعي التأميني كما يبرر دوماً؟ أم أن هناك عقبات مالية وفنية تحول دون تقديم شركات التأمين لهذه الخدمة للشركات والمؤسسات الكبيرة؟
حسب ما يذكر وائل سعدواي نائب رئيس مجلس إدارة الشركة الكويتية للتأمين فإن العقوبات الغربية على سوريا تسببت بعزوف معيدي التأمين في العالم عن إجراء أي عقود لإعادة التأمين مع شركات التأمين السورية، وحتى لو تمكنت هذه الشركات من إيجاد معيدي تأمين، فإن القيود التي وضعها المصرف المركزي على تحويل الأموال من سوريا إلى الخارج تجعل من الصعب إبرام أي عقود لإعادة التأمين مع معيدي التأمين خارج البلاد. ويضيف في تصريح خاص لـ “أثر” أن شركات التأمين وبالتعاون مع هيئة الإشراف على التأمين وشركة الاتحاد العربي لإعادة التأمين أحدثت مؤخراً مجمعاً وطنياً لإعادة التأمين، بحيث يكون متاحاً لكل شركة الحصول عل حوالي ملياري ليرة، يضاف على هذا المبلغ ما يمكن لكل شركة أن تتحمله تبعاً لحجمها في السوق وإمكانياتها، فمثلاً نحن في الشركة الكويتية، ونتيجة دعم مجموعة الخليج، نستطيع إجراء تغطيات لحدود 12.5 مليار ليرة، ومع التعويض الذي يمكن أن نحصل عليه من المجمع الوطني يرتفع المبلغ إلى حدود 14.5 مليار ليرة. ومع ذلك فإن مثل هذا المبلغ يبقى محدوداً بالنظر إلى حجم التغطيات المطلوبة، فهناك معامل ومنشآت لا تقل قيمتها عن 70 مليار ليرة. لا بل أن أصغر منشأة اليوم لا تقل قيمتها عن 15 مليار ليرة، ولهذا غالباً ما يتم الاتفاق بين شركات التأمين والمعامل والمنشآت الكبرى على أن تكون التغطية ضمن سقف معين.
لكن حتى ضمن هذا الهامش المتاح، فإن عدد المؤسسات والشركات المهتمة بالتأمين على منشآتها ضد الأخطار الكبرى لا يزال قليلاً، وكما يوضح أحد العاملين في قطاع التأمين في تصريح خاص لـ “أثر برس” فإن جزءاً من المسؤولية تتحمله بعض شركات التأمين، التي تثير أحياناً بتصرفاتها ومحاولة تهربها من تسديد ما يترتب عليها من التزامات شكوكاً حيال مصداقية تنفيذ هذه الشركات للعقود التأمينية المبرمة معها، وتالياً فإن الخطوة الأولى في مشروع تنشيط سوق التأمين يكمن في استعادة الثقة بين مقدم الخدمة والمستفيد منها، ثم تأتي الخطوة الثانية المتمثلة في البحث عن حلول لمشكلة سقوف التغطية التأمينية وعملية إعادة التأمين الضرورية.

اقتناص الفرص!

تعثر عمليات إعادة التأمين في ضوء الظروف المشار إليها سابقاً، دفع ببعض معيدي التأمين في دول مجاورة لمحاولة العمل في السوق السورية، تماماً كما كان الحال عليه قبل السماح لشركات التأمين الخاصة بالعمل في السوق المحلية، الأمر الذي يثير مخاوف حول مصداقية هؤلاء وغايتهم، إذ ليس هناك من يعمل “ببلاش” على حد تعبير نائب رئيس مجلس إدارة الشركة الكويتية للتأمين، والذي يقدم مثالاً عن ذلك. إذ يؤكد أن أحد معيدي التأمين من دولة عربية مجاورة بدأ بالعمل في السوق المحلية، وعند محاولة جمع معلومات عن الشركة، التي يعمل باسمها تبين حسب المعلومات المقدمة من المؤسسة المعنية بقطاع التأمين في بلده أن الشركة المذكورة ملغية منذ حوالي العامين من قبل الجهة الرقابية على قطاع التأمين في البلد الأم. كما أن شركته المرخصة في الخارج اتضح أنها عبارة عن شركة “أف شور” مؤسسة من قبل محام، وهذا المحامي لديه عشرات الشركات المرخصة على اسمه!

ويطالب سعداوي، وهو أيضاً عضو مجلس إدارة الاتحاد السوري لشركات التأمين، المصرف المركزي بتخصص شركات التأمين مبدئياً بمبلغ سنوي من القطع الأجنبي لتتمكن هذه الشركات من إبرام عقود لإعادة تأمين مع معيدين خارجين ضماناً لاستمرارية المنشآت والمعامل الوطنية وحمايتها من الأضرار والمخاطر المحتملة، لاسيما وأن رأسمال شركات التأمين عند التأسيس كان بحدود 20 مليون دولار. ويختم قائلاً: “حبذا لو أنكم تعاملون شركات التأمين كما تتعاملون مع مستوردي المتة، الذين كانوا يخصصون بقطع سنوي لا يقل عن 100 مليون دولار”.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.