كتب زياد غصن.. من سيتحمل تبعات التضخم ويضمن استمرارية “المعونة النقدية”؟

زياد غصن ـ خاص|| أثر برس 

آخر ما خرج به علينا وزير التجارة الداخلية وجماية المستهلك من تصريحات أن هناك مقترحاً لتوزيع اعتمادات الدعم الحكومي على الأسر، بحيث يتاح للأسر المستحقة، وباستخدام البطاقة الالكترونية المشحونة بالمبلغ المستحق، شراء ما تحتاجه من سلع ومواد من صالات السورية للتجارة.

هذا المقترح، والذي كنت قد سمعته من وزير التجارة الداخلية في مكتبه بعيد تسلمه مهامه في العام الماضي، يتجاهل ثلاث حقائق جوهرية:

الحقيقة الأولى أن المقترح سوف يؤدي إلى تحرير سعر مادة الخبز وإلغاء عملية بيع المقنن التمويني من مادتي السكر والأرز بالسعر المدعوم، وتالياً نحن سنكون أمام موجة جديدة من التضخم لم يشرح لنا وزير التجارة الداخلية كمواطنين إن كانت هناك تقديرات حكومية لنسبة التضخم المرتقب أن تلي هذا الإجراء، وتتسبب باستنزاف جزء ليس بالقليل من المبلغ الموزع عبر البطاقة الالكترونية. وللأسف، فإن الحكومة الحالية ومنذ تسلمها مهامها فشلت في إجراء مقاربة علمية لظاهرة التضخم ومعالجة أسبابها، لا بل إن جهلها بهذا الملف كان أحد أسباب تفاقم الظاهرة، إذ ليس هناك في الفريق الاقتصادي الحكومي شخص واحد متخصص علمياً في موضوع التضخم، وبإمكانكم العودة إلى السبر الذاتية للوزراء والاطلاع على شهاداتهم واختصاصاتهم العلمية.

ويصبح الأمر كارثياً إذا كان هناك مجرد تفكير بتحرير أسعار المشتقات النفطية، فعندئذ علينا أن نتوقع موجة تضخم مدمرة للاقتصاد والمستوى المعيشي المترنح أساساً.

الحقيقة الثانية أن حصر عملية الاستفادة من المبلغ الموزع بصالات السورية للتجارة بغية الحيلولة من دون التسبب بحدوث عرض نقدي كبير في السوق المحلية إجراء له سلبياته في ضوء الوضع الراهن لصالات السورية للتجارة التي تخلت عن غاية إحداثها في التدخل الإيجابي، وأصبحت تبيع سلعها وموادها بأسعار السوق وأحياناً أعلى من السوق. وبهذا تتحول غاية الدعم من معالجة بعض ما أفرزه سوء توزيع الدخل القومي واعتماد سياسة الأجور المتدهورة، إلى زيادة “قسرية” لمبيعات وأرباح المؤسسة السورية للتجارة غير المؤهلة حالياً لمثل هذه المهمة.

الحقيقة الثالثة أن مبلغ الدعم الذي سيصار إلى توزيعه سيكون مهدداً في السنوات القادمة بثلاثة أخطار هي: التضخم الذي سيأكل ما تبقى من قيمته الشرائية لاسيما إذا ما أبقت الحكومة عليه من دون زيادة قيمته، والخطر الثاني يكمن في إمكانية إلغاء الحكومة لهذا الدعم تدريجياً بحجج مختلفة. وتجربة رفع الدعم عن بعض الأسر وما شابها من معايير غير علمية وأخطاء فادحة في البيانات لاتزال أثارها حاضرة، والخطر الثالث يتمثل في عدم قدرة الحكومة على تحقيق العدالة في توزيع مبلغ الدعم النقدي نظراً لغياب قاعدة بيانات دقيقة، وهذا سيكون كارثة على العدالة الإقتصادية الغائبة أساساً.

هناك من سيقول: والله احتارت هذه الحكومة معكم؟!

الجواب ببساطة كالتالي: عندما تنجح الحكومة في ضبط الفساد في مؤسسات الدعم وغيرها، وتستعيد مئات المليارات من الليرات المنهوبة، فإنها ليست بحاجة إلى أي مشروع لإعادة هيكلة الدعم، فما ينهب يتجاوز بكثير ما يحصل عليه غير المستحقون للدعم. كما أن تحرير سعر مادة الخبز مثلاً من دن معالجة جوانب الهدر والفساد في سلسلة إنتاجه يعني شرعنة الفساد وتحويله إلى واقع مترسخ، فالتكلفة التي ترددها الحكومة لإنتاج ربطة الخبز تكلفة غير حقيقية، لكونها تشتمل على تكاليف الهدر الفني والبشري والفساد بمختلف أشكاله، فكيف ستبيع المواطن خبزاً بسعر فاسد!

لكن هل خطر ببال وزير التجارة الداخلية أن يحسب إن كان مبلغ الدعم الذي سوف يوزع على البطاقة الالكترونية كافياً لتأمين احتياجات الأسرة من مادة الخبز لوحدها.

تعالوا لنجري نحن الحسبة البسيطة التالية: أسرة مخصصة بربطتين خبز يومياً ستكون مضطرة بعد تحرير سعر مادة الخبز أن تدفع شهرياً حوالي 182 ألف ليرة على اعتبار أن تكلفة إنتاج الربطة الواحدة حسب تصريح سابق لوزير التجارة الداخلية تبلغ حوالي 3500 ليرة، فيما هذه الأسرة ستعوض بمبلغ 104 آلاف ليرة شهرياً، وحتى لو اكتفت الأسرة بشراء ربطة واحدة يومياً فهي ستكون بحاجة شهرياً لحوالي 91 ألف ليرة!!

لو أن الحكومة الحالية عملت على خطوات عملية لمكافحة الفساد في المؤسسات المعنية بالسلع المدعومة وحققت نتائج هامة في هذا الملف، لكان المواطن تفهم ودعم أي مشروع عقلاني لإعادة هيكلة الدعم، إنما الصورة الوحيدة المترسخة في أذهان الناس هي أن هذه الحكومة هي سبب كل ما يعانونه من مشاكل وأزمات.

مقالات ذات صلة