كتب زياد غصن.. ماذا فعلت الحكومة قبل 63 عاماً لحل مشكلة السيارات الرسمية؟

زياد غصنخاص|| أثر

في كل مرة ترغب بتخفيض إنفاقها لسبب من الأسباب، تهرع الحكومة إلى تخفيض كميات المحروقات المخصصة لسياراتها وآلياتها، وتخفيض الاعتمادات المخصصة لعمليات إصلاح وصيانة تلك السيارات والآليات، ومن دون أن تكشف لاحقاً عن حجم التوفير الذي حصل، ومدى جدواه الاقتصادية والاجتماعية، لاسيما وأن معظم المؤسسات الاقتصادية تتطلب طبيعة عملها وجود حركة مستمرة لسياراتها وآلياتها، كذلك الأمر بالنسبة لتأثيرات مثل هذه القرارات على الموظفين، الذين يضطرون إلى التنقل على حسابهم الشخصي عند تخفيض مخصصات سيارات الخدمة، وهذا يرتب على الموظف ضغوط مادية جديدة.

وكما هو الحال في جميع الملفات والموضوعات الهامة، فإن هناك غياباً شبه كامل للبيانات الإحصائية المتعلقة بملف السيارات الحكومية، فلا يعرف عدد السيارات المخصصة واستهلاكها من الوقود، وليست هناك معلومات عن عدد سيارات الخدمة واستهلاكها من الوقود، والأهم أن قيمة ما ينفق فعلياً على بند الإصلاح والصيانة للسيارات والآليات الحكومية لايزال غامضاً. كل هذه المعلومات موجودة لدى وزارات ومؤسسات معنية، إنما لا يتم الإفصاح عنها أو طرحها للرأي العام، لا بل أن تلك البيانات التي كانت تنشر بصيغة عامة بات مكانها فارغاً في المجموعة الإحصائية السورية السنوية الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء، والمثال على ذلك المجموعة الإحصائية لعام 2020.

وفق ما تم العثور عليه من بيانات، فإن عدد السيارات السياحية الحكومية المسجلة في وزارة النقل يبلغ 20400 سيارة.

 

الإنفاق على الوقود

 

في جانب الإنفاق على السيارات الحكومية هناك مصدرين للمعلومات المتعلقة بهذا الملف: الأول هو الاعتمادات المرصودة لهذا البند في الموازنة العامة للدولة، وحسب بيانات موازنة العام 2021 فإن إجمالي الاعتمادات المخصصة لتأمين احتياجات مؤسسات الدولة من مادتي البنزين والمازوت خلال العام الحالي بلغ حوالي 35.303 مليار ليرة، منها 3.49 مليارات ليرة قيمة بنزين للسيارات المخصصة بزيادة قدرها 3% عن اعتمادات العام 2020، و11.11 مليار ليرة قيمة بنزين لسيارات الخدمة بزيادة قدرها 2% عن اعتمادات العام السابق، و3.9 مليارات ليرة مازوت سيارات خدمة بزيادة قدرها 6% مقارنة باعتمادات العام السابق، و5.7 ملايين ليرة لتأمين مازوت للسيارات المخصصة، لكن الكتلة الأكبر من الاعتمادات والبالغة حوالي 16.6 مليار ليرة فقد رصدت لتأمين مادة المازوت للاستعمالات الأخرى.

أما فيما يتعلق بمصاريف صيانة الآليات والمركبات الحكومية فإن اعتمادها المرصود في موازنة العام الحالي وصل إلى 11.7 مليار ليرة بزيادة قدرها 81% عن  اعتمادات العام السابق، وغالباً هذه الزيادة نجمت عن زيادة أسعار قطع التبديل وأجور الصيانة خلال الفترة الماضية.

 

إذا كانت هذه هي الاعتمادات… فماذا ينفق منها فعلياً؟

 

إلى الآن ليست هناك أرقام أو بيانات حول حجم إنفاق المؤسسات والجهات العامة فعلياً على السيارات والآليات من حيث الوقود وأعمال الصيانة والإصلاح، ولذلك فإن الخيار المتاح هو العودة إلى بيانات قطع حسابات موازنة العام 2016، والتي يمكن اعتبارها مؤشر يمكن البناء عليها، إذ تشير تلك البيانات التي نوقشت مؤخراً في مجلس الشعب إلى أن إجمالي قيمة الاعتمادات النهائية لبند المحروقات في موازنة العام 2016 بلغ 19.17 مليار ليرة أنفق منها فعلياً حوالي 14.40 مليار ليرة بنسبة تنفيذ قدرها 75%، كما أن إجمالي قيمة اعتمادات بند الصيانة بلغ حوالي 9.49 مليارات ليرة أنفق منها فعلياً 8.38 مليارات ليرة بنسبة تنفيذ قدرها 88%.

بناء على نسب التنفيذ تلك، وبالنظر إلى أن أسعار مادتي البنزين والمازوت شهدت زيادة خلال العام الحالي فضلاً عن تقادم العمر الفني لأسطول السيارات الحكومي، فإنه يمكن القول إن نسب الإنفاق على السيارات الحكومية لن تقل عن 75% بالنسبة لبند الوقود و85% لبند الصيانة، أي أن التقديرات الأولية تؤكد أن الإنفاق على تأمين مادتي البنزين والمازوت للسيارات والآليات الحكومية يمكن أن تصل إلى حوالي 14 مليار ليرة هذا العام، والإنفاق على الصيانة حوالي 10 مليارات ليرة. وبذلك يكون إجمالي الإنفاق على السيارات والآليات الحكومية حوالي 25 مليار ليرة، مع التنويه أن ذلك يشمل جميع الآليات بما فيها تلك التي تستخدم في العملية الإنتاجية كالرافعات والجرافات وغيرها.

 

والحل؟

 

منذ سنوات ما قبل الحرب، وملف معالجة وضع السيارات الحكومية ينتقل من حكومة إلى أخرى من دون أي خطوة تنفيذية باستثناء عملية تشكيل اللجان وعقد الاجتماعات غير المجدية، والتي لم تخلص إلى وضع برنامج جدي لإنهاء ذلك الملف، الذي بات بنظر المواطنين عنواناً للهدر  وسرقة المال العام.

أفكار عديدة طرحت من بينها إضافة مبلغ مالي كتعويض انتقال على راتب الموظف تبعاً لمهامه الوظيفية، ومن ثم طرح أسطول السيارات الحكومية على البيع في مزاد علني، وهناك اقتراح آخر طرح سابقاً تضمن بيع السيارات المخصصة إلى الموظفين وفق جدولة مالية معينة، واللافت أن هذا الاقتراح كان قد نفذ في سوريا بعد استقلال البلاد بعامين، حيث صدر آنذاك المرسوم رقم 916 تاريخ 28/4/1948 المتضمن تحديد سيارات الركوب العائدة للدولة والمخصصة بصورة دائمة للمدنيين، وقد نص في مادته السابعة على ما يلي:

“تبيع الحكومة سيارات الركوب الرسمية الفائضة عن حاجة المرائب العامة ضمن الشروط الواردة في المادة التاسعة من هذا المرسوم وفقاً للأسلوب الآتي:

-تؤلف لجنة فنية من مندوب عن وزارة الأشغال العامة والمواصلات وآخر عن وزارة المالية وأحد وكلاء شركات السيارات لتحديد ثمن كل سيارة من السيارات المراد بيعها على أن تؤخذ بعين الاعتبار كلفة السيارة الحقيقية الجديدة من النموذج نفسه وحالة السيارة المراد بيعها.

-يدفع الموظف الثمن المقدر للسيارة من قبل اللجنة الفنية على أقساط شهرية متساوية لمدة أربعين شهراً، وإذا رغب بدفع الأقساط الباقية لتسديد كامل الثمن دفعة واحدة فتنزل قيمة هذه الأقساط بنسبة 6%.

-لا تنقل ملكية السيارة إلى الموظف إلا بعد تسديد جميع الأقساط.

-على الموظف أن يقوم على نفقته الخاصة بالتأمين على السيارة لدى شركة ضمان مقبولة من وزارة الاقتصاد الوطني بالشروط التي تعينها وزارة الأشغال العامة والمواصلات، وله أن يلغي التأمين فور تسديد كامل الأقساط”.

كما ونص المرسوم في مادته الثامنة على ما يلي:” تؤلف لجنة من الأمناء العامين في الوزارات والمديرين العامين في المديريات العامة، تتولى تنظيم جدول لكل وزارة ومديرية عامة بالوظائف التي تتطلب أعمالها استعمال سيارات ركوب بصورة دائمة وترتبه وفقاً لحاجات القائمين على هذه الوظائف إلى التنقل.

توزع السيارات التي يمكن بيعها على هؤلاء الموظفين حسب التسلسل المذكور، وإذا لم يرغب أحد من الموظفين بشراء السيارات المعروضة عليه فتعرض على الذي يليه في الجدول وهكذا دواليك.

للموظفين الذين سبق أن خصصت لهم سيارات وفقا للمادة 2 من المرسوم 229 المؤرخ في 22 شباط 1947، حق الأولوية في شراء هذه السيارات، إذا أدرجت وظائفهم في الجدول المنوه عنه في الفقرة الأولى من هذه المادة.

لوزارة الأشغال العامة والمواصلات أن تقوم ببيع السيارات التي تزيد عن حاجة الموظفين الذين يحق لهم شراؤها بالمزاد العلني”.

هذا كان قبل 63 عاماً…

فماذا ستفعل الحكومة اليوم لمعالجة ملف السيارات الحكومية ووقف الهدر والسرقة؟ هل ستستفيد من ذلك المرسوم مع إضافة بعض التعديلات التي تفرضها متغيرات عصرنا الحالي؟ أم أنها ستفعل كما فعلت الحكومات السابقة بترحيل الملف إلى حكومة أخرى قادمة؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.