كتب زياد غصن.. ماذا حدث مؤخراً في السوق السوداء؟

زياد غصن ـ خاص|| أثر برس 

ماذا حدث مؤخراً في سوق الصرف السوداء؟ أو بالأحرى لماذا حدث ما حدث؟ هل هي المضاربات التي عادة ما تحمل رسمياً مسؤولية تقلبات سعر الصرف؟ أم أن هناك متغيرات أخرى هي المسؤولة عن تراجع سعر صرف العملة المحلية في هذه السوق؟

كل هذه التساؤلات وغيرها موجودة في أذهاننا جميعاً، لكن معظمنا يفضل الصمت على محاولة تحليل ما جرى، وتقديم رؤية موضوعية لما حدث، والسبب كما نعلم إما الخوف من أي تداعيات ليست في الحسبان أو تجاهل الإعلام المحلي لاعتبارات غير مهنية. وهذا للأسف ما أسهم في انتشار “سردية” وسائل الإعلام الخارجي المسيسة أحياناً، والبعيدة عن الواقع أحياناً أخرى.

لنتفق بداية على أن العملات خارج حدود دولها هي مجرد سلعة يخضع سعرها لقانون العرض والطلب، وتالياً فإن العملات الأجنبية في بلدنا يتحدد سعرها بالنسبة للعملة المحلية تبعاً للكميات الموجودة في السوق المحلية بشقيه الرسمي وغير الرسمي، وبحجم الطلب عليها ومتغيراته. وبناء على هذه المعادلة البسيطة يمكننا تحليل واقع سوق القطع الأجنبي في سوريا للوصول إلى تقديم رؤية لأسباب ما حدث أخيراً. رؤية قد تعجب بعضنا، وقد لا يرى فيها بعضنا الآخر ما يتفق مع وجهة نظره.

تراجع في الإيرادات

كما هو معلوم، شهدت إيرادات البلاد من القطع الأجنبي تراجعاً كبيراً منذ بداية الأزمة، إما بسبب العقوبات الغربية التي هدفت إلى فرض حصار كامل على البلاد، أو نتيجة عمليات الخراب والدمار التي لحقت بالقاعدة الإنتاجية والخدمية. ولذلك فإن تركيبة المصادر الرئيسية للقطع الأجنبي شهدت تغيرات جذرية؛ فالصادرات النفطية اختفت تماماً، والسياحة باتت قريبة من العدم، والحوالات التي تمر عبر القنوات غير الرسمية أكبر من تلك التي تأتي رسمياً. ويكمن أهم مصادر إيرادات البلاد حالياً من القطع الأجنبي بما يلي:

-التحويلات الخارجية، والتي تذهب معظم المؤشرات إلى تأكيد زيادتها بفعل ارتفاع عدد السوريين العاملين في الخارج، موجات الهجرة واللجوء وتحديداً إلى قارتي أوروبا وأمريكا، والمشروعات الأممية المعنية بعمليات الإغاثة. لكن جزءاً هاماً من تلك الزيادة استفادت منه دول الجوار، سواء نتيجة الفارق بين سعر الصرف الرسمي وسعر صرف السوق السوداء أم نتيجة الإجراءات التي اتخذتها الدول الأوروبية للحيلولة من دون تحويل اللاجئين لجزء من مبالغ الإعانة التي يحصلون عليها إلى ذويهم في سوريا. والتقديرات المعلنة تتحدث عن أن قيمة التحويلات اليومية تصل إلى نحو 7 ملايين دولار، وترتفع إلى ما يزيد على ذلك في مدة الأعياد وشهر رمضان المبارك.

-العائدات المتأتية من الصادرات، والتي على الرغم من أنها تشهد زيادة سنوية منذ العام 2018 تقريباً، فإن قيمتها ما تزال دون المليار يورو، وتالياً فإن عائداتها الدولارية، والتي تدخل إلى خزينة الدولة، محدودة، وستبقى كذلك ما لم تستعد الدولة ثرواتها الأساسية من حقول النفط والقمح.

-تجديد جوازات السفر وبدل الخدمة الإلزامية واستخراج وثائق للسوريين المقيمين والموجودين في الخارج، والإيرادات المتحققة من ذلك ما تزال غير معلنة، على الرغم من أن آخر رقم عن العائدات المتحققة من تجديد جوازات السفر أعلنه وزير الداخلية قبل نحو عامين، ووصل إلى نحو 21 مليون دولار في الأشهر العشرة الأولى من العام 2020.

-تصريف السوريين العائدين إلى بلادهم مبلغ 100 دولار، وهنا أيضاً لا توجد بيانات رسمية عن ما حققه هذا الإجراء الذي طبق في العام 2020 وما زال ساري المفعول على الرغم من الانتقادات التي وجهت له. لكن يمكن وبناء على البيانات الرسمية المتعلقة بعدد السوريين المغادرين، والبالغ عددهم في العام 2020 نحو 700 ألف مغادر، وهو رقم تأثر بتداعيات انتشار فيروس كورونا، تقدير قيمة الإيرادات إن لو عاد نصفهم فقط إلى البلاد.

-العائدات المتحققة من السياحة العربية والأجنبية، ووزير السياحة رامي مارتيني أكد أخيراً أن عدد السياح لهذا العام وصل إلى مليون ومئتي سائح، وإذا عَدَدنا وسطياً أن كل سائح أنفق فقط 200 دولار، فهذا يعني أن إيرادات السياحة من القطع الأجنبي يجب ألا تقل عن 240 مليون دولار بالحد الأدنى.

-العائدات الناجمة عن تجارة الترانزيت، وهي كانت تمثل قبل الحرب أحد المصادر الرئيسية أما الآن أصبحت قليلة متأثرة بتوقف تجارة الترانزيت مع تركيا بعد سيطرة الفصائل المسلحة بدعم تركي على المعابر الرسمية، والعقوبات المفروضة على مرفأ طرطوس، والإجراءات المقيدة لحركة معبر نصيب الحدودي مع الأردن.

وإلى جانب الإيرادات الرسمية، فإنه يدخل إلى البلاد كميات من القطع الأجنبي دخولاـ غير مشروع ولأهداف غير مشروعة أيضاً، وفي مقدمة هذه المصادر عمليات تهريب الثروات والسلع السورية إلى دول الجوار كالأغنام والأبقار وغيرها.

 

زيادة في الطلب

كذلك الأمر بالنسبة لجوانب الطلب على القطع الأجنبي، والتي هي الأخرى تعرضت لمتغيرات كثيرة تسببت بزيادتها، وتالياً الضغط على سوق القطع الأجنبي في البلاد، ويمكن في هذا السياق تحديد أبرز مصادر الطلب الشرعي وغير الشرعي على القطع الأجنبي ومقاربة تأثيراتها ودورها في الإنخفاض الأخير الذي تعرضت له الليرة في السوق السوداء:

-المستوردات وتُحمَّل قبل العام 2017 جزءاً من المسؤولية عن زيادة الطلب على القطع الأجنبي، إذ لم تكن هناك سياسة ترشيد واضحة تأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الاقتصادية في البلاد وإيراداتها من القطع الأجنبي. لكن بدءاً من العام 2018 نفّذت وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية برنامجاً لترشيد المستوردات يقوم على محورين: الأول تقليص المستوردات لتقتصر على السلع الغذائية والمواد الأولية اللازمة للإنتاج الصناعي والزراعي ومستلزمات أخرى كالدواء وغيرها. والمحور الثاني منع استيراد السلع والمواد التي لها مثيل محلي، ولهذا تم إطلاق مشروع لإحلال المنتجات المصنعة محلياً محل المستوردة. وحسب تصريحات مسؤولي وزارة الاقتصاد فإن المستوردات تحافظ على مستواها منذ ثلاث سنوات وهي تقارب 4 مليارات يورو أو تزيد عليها قليلاً.

وإذا عدنا إلى قائمة مستوردات أهم 20 سلعة في الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي والتي حصل عليها “أثر برس”، وقارناها بنظيراتها من العام الماضي، فإننا سوف نخلص إلى وجود ملاحظتين أساسيتين:

-وجود زيادة في إجمالي كميات السلع العشرين المستوردة بنسبة تصل إلى 6.27%، وهذا يعني أن إجمالي كمية المستوردات الأساسية للبلاد تحافظ على وضعها، هلى الرغم من أن هناك زيادات في بعض السلع على حساب أخرى مثل زيادة كميات السكر المستوردة، الذرة الصفراء العلفية، حليب بودر مجفف، الألواح الشمسية وغيرها. على حين مثلاً كان هناك تراجع ضئيل في كميات البن غير المحمص، الأقمشة، الخيوط، قطع تبديل السيارات والآلات.

-زيادة إجمالي قيمة المستوردات للسلع العشرين بنجو 34%، وهي زيادة تصوّر التغيرات التي طرأت على أسعار السلع العالمية بعد الحرب الأوكرانية وارتفاع أسعار النفط، ويتضح ذلك بثبات كميات سلع كثيرة وزيادة قيمتها باليورو. لكن هل يمكن عدَّ ذلك سبباً في ما حدث في السوق السوداء؟ عملياً نسبة الزيادة المتحققة في قيمة السلع المستوردة موزعة على مجريات 9 أشهر، ولم تقع في الأيام الماضية، فضلاً عن كون معظم السلع الغذائية والمواد الأولية تمول من المركزي بالسعر الرسمي.

-احتياجات السفر لأغراض مختلفة، لاسيما السفر بقصد الهجرة أو اللجوء أو العلاج أو الدراسة أو حتى السياحة. وهذه لا يعرف إلى الآن قيمة ما تستنزفه من قطع أجنبي، بالنظر إلى غياب البيانات التفصيلية من جهة، وعدم دقة ما هو متداول من جهة أخرى.

-المضاربات وعمليات استبدال العملة، التي تجري إما خوفاً من تقلبات سعر الصرف كما هو حال شريحة من الأشخاص ممن يملكون مدخرات قليلة، وإما بهدف تمويل أنشطة وتأمين مستلزمات عمل وتحويل أموال للخارج بالنسبة لشريحة من الأثرياء وتجار الحرب وغيرهم.

-ظاهرة التهريب التي نشطت في سنوات الأزمة نشاطاً واسعاً وكبيراً، مستفيدة من الأوضاع العامة التي تعيشها البلاد وخروج مناطق حدودية واسعة عن السيطرة. وعلى الرغم من تداول بعض الأرقام المتعلقة بحجم الظاهرة، لاسيما بين سوريا ولبنان، فإن الصورة الأوضح لحجم الظاهرة تتمثل في البيانات الرسمية التركية التي تتحدث عن تصدير ما يقارب 1.8 مليار دولار سنوياً إلى سوريا قاصدة بذلك مناطق الشمال التي تحتلها أو الخاضعة لسيطرة الفصائل المسلحة التي تدعمها، إذ إن دمشق تمنع استيراد أي سلعة تركية منذ العام 2012 تقريباً. والسؤال: هل هذه المناطق تستهلك فعلاً مثل هذه القيمة من السلع أم أن جزءاً ليس بالقليل منها يهرب إلى مناطق سيطرة الدولة؟ وبالتأكيد الإجابة واضحة، خاصة إذا علمنا أن صادرات تركيا إلى سوريا في العام 2010، ذروة انفتاح البلدين على بعضهما البعض، لم تصل إلى هذا الرقم. وحتى مع لبنان فإن الأمر أخذ بعداً مباشراً بحسب بعض الاقتصاديين، إذ كان هناك اعتماد على سوق القطع السورية من قبل تجار سوريين ولبنانيين لتمويل بعض مستورداتهم وأنشطتهم في لبنان.

باختصار

بالإضافة إلى ظاهرة التهريب الخطيرة، يبرز سبب آخر يدعو للبحث، ويتعلق بالأسباب التي تجعل سعر صرف الليرة يتراجع أولاً في المناطق الخارجة عن السيطرة ليتبعه لاحقاً سعر الصرف في السوق السوداء. فهل الغاية محاولة جذب بعض كميات القطع الموجودة في السوق المحلية، أم هي عملية استنزاف متدرجة للاقتصاد السوري غايتها تجفيف الدولار، وهي السياسة الأمريكية الملحوظة منذ العام 2019 وهدفها ثلاث دول هي: لبنان، العراق، وسوريا.

ما سبق ليس سوى محاولة للإضاءة على سوق القطع في سوريا والعوامل المؤثرة فيها، ومن دون شك فإن ضبط السوق السوداء ومنع تلاعبها بسعر الصرف يحتاج إلى إجراءات على أكثر من صعيد، على صعيد ضبط مستويات الطلب بمختلف أشكاله وألوانه، وزيادة المعروض بكل الطرق المتاحة.

مقالات ذات صلة