كتب زياد غصن.. تدفع بثلاث عملات ودون خط الفقر: الأجور الشهرية في عموم سوريا.. بالأرقام

كتب زياد غصن. خاص|| أثر برس

مع استمرار الارتفاع المخيف في معدلات التضخم، تحول اهتمام الباحثين من رصد المؤشرات المتعلقة بالفجوة المتشكلة بين الأجور الشهرية للسوريين ومستويات الأسعار في الأسواق المحلية، إلى تسليط الضوء على الفارق الذي يفصل بين الأجر الشهري وبين خطوط الفقر. ففي هذه الأوضاع بات جل طموح الأسر السورية هو أن تكون قريبة من خط الفقر الأعلى فقط، لكن الواقع يشير إلى خلاف ذلك للأسف.

عملياً ليست هناك بيانات رسمية حديثة تحدد لنا وسطي الأجور في البلاد وخط الفقر الوطني على الرغم من المتغيرات الكارثية التي حلت بالوضع المعيشي في العامين الأخيرين، فما هو متوفر يعود إلى العام 2020 كمسح قوة العمل المليء بالتناقضات المثيرة للشكوك حيال صحة النتائج، بينما لم يقدم المكتب المركزي للرأي العام أي دراسة عن الفقر، على حين أطلقت منظمات الأمم المتحدة مؤشرات ودراسات عدة إنما من دون تبيان المنهجية العلمية المعتمدة في إنتاج تلك المؤشرات.

في دراسته الأخيرة المتعلقة بأسعار المستهلك في سوريا، يقدم المركز السوري لبحوث السياسات جهداً بحثياً هاماً يستحق النقاش والبحث، سيما في تناوله لمسألة وسطي الأجور في مناطق البلاد جميعها بما فيها تلك الخارجة عن السيطرة، وفجوة الأجور عن خطوط الفقر الثلاث، والتي جرى حسابها بقياس أثر التضخم على خطوط الفقر الرسمية في عام 2009.

 الأعلى والأدنى أجراً

يخلص المسح الذي أجراه المركز المشار إليه، والذي شمل 58 منطقة سورية، إلى أن متوسط الأجر الشهري في عموم البلاد سجل في النصف الأول من عام 2022 ما يقارب 159 ألف ليرة للموظف الجامعي في القطاع العام (بدء التعيين)، بينما بلغ نحو 228 ألف ليرة للعامل في القطاع الخاص، و 614 ألف ليرة سورية للموظف في القطاع المدني.

وحسب ما يشير المركز في ملاحظاته فإن هناك تبايناً بين المناطق السورية لجهة العملة التي يسدد بها الأجر الشهري، وهذا أسهم في حدوث فارق كبير بين الأجور عند معادلتها بالليرة السورية. فمثلاً في بعض مناطق الشمال الخاضعة لسيطرة فصائل مسلحة يتم دفع أجور العاملين في أجهزتها بالدولار الأمريكي، وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال التركي تدفع الأجور بالليرة التركية، أما في مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” فإن الأجور تدفع بالليرة السورية. وعلى ذلك فإنه يتبين عند مقارنة مستوى الأجور بين مناطق السيطرة في سوريا أن الأجور لدى القطاعين العام والخاص في مناطق سيطرة الفصائل المسلحة هي الأعلى، تليها الأجور في مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية”، وأخيراً الأجور في مناطق الحكومة.

بتفصيل أكثر، تظهر البيانات أن الأجر الشهري للموظف الجامعي (بدء التعيين) في القطاع العام في مناطق الحكومة سجل نحو 104 آلاف ليرة سورية في النصف الأول من عام 2022 ، في حين أنه بلغ نحو 240 ألف ليرة سورية في مناطق سيطرة ” الإدارة الذاتية”، ونحو 369 ألف ليرة سورية في مناطق سيطرة “الفصائل المسلحة”. كذلك الأمر المتعلق بالأجر الشهري للعامل في محل تجاري في القطاع الخاص، فهو في مناطق الحكومة بلغ نحو 203 آلاف ليرة سورية، ونحو 200 ألف ليرة سورية في مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية”، ونحو 499 ألف ليرة سورية في مناطق سيطرة الفصائل المسلحة في الشمال. بينما بلغ الأجر الشهري للموظف في القطاع المدني في مناطق الحكومة نحو 346 ألف ليرة سورية، و1.1 مليون ليرة سورية في مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية”، و1.5 مليون ليرة سورية في مناطق سيطرة الفصائل المسلحة.

وبمقارنة صغيرة لبيانات وسطي الأجور في المناطق جميعها، فإنه تم استنتاج أن أعلى وسطي أجر شهري سجل في النصف الأول من العام الماضي كان في مناطق سيطرة الفصائل المسلحة التي تدفع بالدولار والليرة التركية، حيث قدر وسطي أجر الدكتور الجامعي العامل في القطاع العام بنحو 1.524 مليون ليرة سورية، وهو الأجر نفسه الذي يحصل عليه الموظف الجامعي في القطاع المدني، وجاء ثانياً الأجر الشهري الذي يحصل عليه مدير شركة في القطاع الخاص في تلك المناطق أيضاً بوسطي قدره 1.448 مليون ليرة سورية، وثالثاً كان أجر الموظف الجامعي في القطاع المدني في مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” بوسطي بلغ في النصف الأول من العام الماضي نحو 1.133 مليون ليرة. أما أقل أجر فهو لموظف الفئة الرابعة في القطاع العام ضمن مناطق الحكومة بوسطي يبلغ نحو 59346 ليرة، ثم أجر الموظف الجامعي في القطاع والمناطق نفسها بنحو 103838 ليرة سورية.

تحت خطوط الفقر

في الحديث عن فجوة الأجور عن خطوط الفقر في النصف الأول من العام الماضي، تبين الدراسة البحثية أن معظم الأجور في سوريا لفئات التشغيل الأكثر انتشاراً، والتي تشمل فئة الموظفين الجامعيين وغير الجامعيين في القطاع العام، وفئة المشتغلين في القطاع الخاص بتوصيف عامل والعمال المياومين، هي دون خطوط الفقر الوطنية الثلاثة الأعلى والأدنى والمدقع،

باستثناء أجور القطاع المدني التي كانت أعلى من خط الفقر المدقع على مستوى سوريا، وأعلى من خطي الفقر المدقع والأدنى على مستوى مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” ومناطق سيطرة الفصائل المسلحة. ووفقاً لتفاصيل البيانات فقد بلغت فجوة الأجور عن خط الفقر المدقع على مستوى سوريا نحو 72.5% للموظف الجامعي في القطاع العام، و54% للعامل في القطاع الخاص، وحققت فائضاً بنسبة 11% للموظف في القطاع المدني. وفيما يتعلق بفجوة الأجور عن خط الفقر الأدنى فقد سجلت نحو 82.5 % للموظف الجامعي في القطاع العام، و 70.8% للعامل في القطاع الخاص، و 29.5 % للموظف في القطاع المدني. أما فجوة الأجور عن خط الفقر الأعلى فكانت مرتفعة جداً، إذ بلغت نحو 87.3% للموظف الجامعي في القطاع العام، و 78.8% للعامل في القطاع الخاص، و 48.9% للموظف في القطاع المدني. وفي الحالات الثلاث كانت فجوة الأجور في مناطق الحكومة هي الأعلى، تليها مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية”، فمناطق سيطرة الفصائل المسلحة في الشمال.

الجميع متعب

ماذا تعني تلك البيانات؟ باختصار شديد تعني أن جميع مناطق البلاد تعاني اقتصادياً وهي أيضاً متعبة معيشياً، وإذا كانت بعض المناطق تحقق أجراً شهرياً أعلى لأسباب وعوامل معينة، ألا إنها تبقى مؤقتة وقابلة للانهيار مع أي تطور عسكري أو سياسي أو اقتصادي أو حتى اجتماعي. ولذلك لا غنى عن حل سياسي يحفظ وحدة أراضي البلاد، ويعيد ربط اقتصاديات جميع المناطق في بوتقة عمل وطنية تظهر آثارها الإيجابية في جميع مناطق البلاد والمواطنين من دون استثناء.

 

مقالات ذات صلة