كتب زياد غصن.. السوريون في مخيمات اللجوء: حرمان وحياة بالحد الأدنى!

زياد غصن-خاص|| أثر

ما تعرض له سوريون في تركيا مؤخراً من أعمال عنف واعتداء، ليس سوى “غيض” من فيض الاضطهاد والخوف اللذين يعيشهما معظم من اضطر للنزوح إلى خارج البلاد هرباً من جحيم الحرب، وتداعياتها الأمنية الاقتصادية والاجتماعية، لاسيما أولئك الذين يعيشون في مخيمات خاصة تفتقد لأبسط مقومات الحياة والأمان.

وإذا كانت بعض المنظمات الحقوقية والأممية تشير أحياناً إلى بعض مظاهر هذا الاضطهاد والخوف والتدهور الاقتصادي في بياناتها وإحاطاتها الصحفية والإنسانية، إلا أن ذلك يأتي دوماً في إطاره العام البعيد عن تفاصيل كثيرة، تجنباً لـ”حساسيات” عدة، وما قد يخرج عنها من مواقف تضرّ بواقع اللجوء في هذه الدولة أو تلك.

مؤخراً، أصدر المركز السوري لبحوث السياسات بالتعاون مع مؤسسة بصمات للتنمية، تقريراً جديراً بالاهتمام، حاول من خلاله، وعبر مسح ميداني جرى في 11 مخيماً في منطقة بر الياس في البقاع، رصد واقع التشاركية في مخيمات اللاجئين السوريين في لبنان. وبحسب ربيع نصر الباحث الرئيسي في المركز السوري لبحوث السياسات فإن” نتائج المسح يمكن تعميمها على أوضاع جميع اللاجئين في لبنان”.

مجتمعات بإدارة خاصة!

وجد اللاجئون السوريون في دول الجوار أنفسهم في مواجهة سياسات مختلفة، ناجمة بالدرجة الأولى عن عاملين أساسيين: الأول موقف حكومة الدولة المستضيفة من الأزمة السورية ومدى قبولها واحترامها لاتفاقية جنيف الخاصة بحقوق اللاجئين، والعامل الثاني يتعلق بالوضع الاقتصادي في الدول المستضيفة. ومع أن جميع الدول المجاورة نصبت منذ الأيام الأولى لموجات النزوح مخيمات خارج التجمعات السكنية لاستقبال اللاجئين السوريين، إلا أن هناك تمايزاً ليس كبيراً بين وضع اللاجئين في تركيا مثلاً، ووضع نظرائهم في لبنان، وحتى في الأردن، لجهة الحقوق المعطاة لهم كالسماح بالعمل، الاندماج في المجتمعات، وغير ذلك، إذ كما يشير الباحث نصر فإنه لدى المركز “مؤشرات تؤكد أن اللاجئين مسلوبي القدرة على المشاركة الفعلية حتى اقتصادياً”.

لا تقتصر مأساة اللاجئين على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، والتي تختلف طبيعتها وشدتها بين مخيم وآخر داخل الدولة الواحدة، إذ إن الدور الذي يلعبه الفاعلون الرئيسيون في المخيمات يترك هو الآخر أثره، والمقصود بالفاعلين الرئيسيين: الجهات والمؤسسات الحكومية والأهلية والشخصيات الاجتماعية والدينية المؤثرة في مجتمع اللاجئين، فمثلاً يحدد البحث المشار إليه أعلاه حوالي ثمانية فاعلين في المخيمات المدروسة هم:

البلديات، الجيش، الأمن العام، قادة المجتمع المدني المحلي (وجهاء العائلات والعشائر ورجال الدين)، منظمات غير حكومية، منظمات دولية، الشاويش، وملاك الأرض. وبحسب نتائج المسح فقد “أجمعت الإجابات على الدور الخدمي المحدود للبلدية، والذي يتركز في حصر الخيم والسكان، وإزالة النفايات مقابل رسوم بلدية شهرية”.

وأكد المبحوثون في أحد المخيمات، على دور البلدية في إعطاء الموافقات على عمل الجمعيات، وتوزيع المساعدات مع أخذها لحصة من هذه المساعدات، كما ركزت قلة من الإجابات على ممارسات سلبية للبلدية، مثل التضييق على النشاط التجاري داخل المخيم، أو تقييد حركة اللاجئين خارج المخيم مساءً، أو الرقابة الصحية، ويأخذ دور البلدية أحياناً طابعاً أمنياً بالتعاون مع الأمن العام من حيث “الرقابة والحد من روابط المخيم بمؤسسات المجتمع الأهلي والمدني المحلي والدولي”. كما خلصت نتائج المسح إلى أن “كبار السن يشكلون مرجعية أساسية لسكان المخيمات، في إطار العلاقات العائلية، سواء في حل النزاعات الداخلية أو تقديم النصح، ويليهم في الأهمية شيوخ ووجهاء العشائر، الذين يشكلون مرجعية تقليدية لأبناء العشائر في المحافظات التي نزحوا منها”. وبالنظر إلى الشكل المؤسساتي التنظيمي عن مخيمات اللجوء، فقد ظهر بعض الشخصيات وقيامها بأدوار تتباين التقييمات حول غايتها وأهدافها مثل شخصية الشاويش، والتي بحسب المبحوثين في المسح هي “الشخصية الأكثر جدلية في المخيمات، حيث يقوم الشاويش بأدوار مختلفة. فوفق الأشخاص المفتاحيين، وصف البعض دوره بأنه خاص بتنظيم المخيم، ورأى آخرون أنه يقوم بخدمة مصالحه الخاصة، أو مصلحة مالك الأرض، وأحياناً مصلحة أجهزة الأمن، بشكل عام”.

وعلى خلاف ما هو شائع، فإن سكان المخيمات محرمون من حرية التعبير في القضايا السياسية أو حتى في أوضاع المخيم تحت طائلة الطرد من المخيم، وفق تعليمات إدارة المخيم، وأحياناً ملاك الأرض والمؤسسات الأمنية. وهذا يبدو نتيجة طبيعية لعدة عوامل، أبرزها وجود فساد، “حيث يعتبر 47 في المائة من المبحوثين أن الفساد منتشر في المؤسسات الناظمة للمجتمع مباشرة دائماً أو غالباً، ويفسرون ذلك “بسبب اتفاق السماسرة والشاويش على جمع مبلغ مالي من المساعدات المقدمة للسكان من بعض المؤسسات”. وعبّر آخرون في المخيم عن أن المؤسسات “قائمة على الرشاوى والمحسوبيات، وليست عادلة أبداً”. ويربط المبحوثون في بعض المخيمات بين تفرد الشاويش بالإدارة والفساد: “لا يوجد عدل أبداً – الشاويش هو المتحكم بكل شيء” و”يوجد فساد بين المسؤولين عن المخيم”. بينما عبر 23 في المائة فقط عن “غياب الفساد عن هذه المؤسسات”.

أبسط الحقوق ضائعة!

لا تختلف كثيراً طرق اللاجئين في حلّ نزاعاتهم عن تلك المتبعة في العديد من المناطق السورية خلال سنوات الحرب، مع اختلاف التسميات والأدوار. وقد حددت نتائج المسح أربع مراحل يلجأ إليها اللاجئون لحل نزاعاتهم هي: يتم اللجوء في النزاعات الداخلية إلى كبار السن في العائلات أو وجهاء العشائر، في حال استمرار النزاع يتم اللجوء إلى الشاويش أو إدارة المخيم وأحياناً ملاك الأرض، في حال المشكلات الكبيرة أو مع الجوار تتدخل مخابرات الجيش أو الأمن العام، في حالات نادرة يتم اللجوء إلى القضاء.

كل ذلك يتزامن مع ظروف معيشية صعبة، سببها القيود السياسية والاجتماعية والاقتصادية المفروضة على اللاجئين وغياب المؤسسات الفاعلة المدافعة عن حقوقهم، وكذلك تدهور الأوضاع الاقتصادية في لبنان خلال العامين الأخيرين. وكما يشير باحثو المسح إلى “مفارقة أن مجرد السكن في الخيام يعدّ حرماناً من الحد الأدنى من شروط السكن المناسبة. لكن اللاجئين خفضوا مستوى توقعاتهم نحو حدود الكفاية الدنيا من شروط الحياة المادية”. هنا تظهر نتائج المسح بعضاً من مأساة الوضع المعيشي في تناولها لشروط السكن، فمثلاً في مجال توفير وقود التدفئة “يشير الأشخاص المفتاحيون إلى توفر وقود التدفئة، إلا أن تكلفته عالية، ويعتمد اللاجئون بالدرجة الأولى على المساعدات من أجل الحصول عليه، إذ تقوم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بتوزيع بطاقات سنوية بمبلغ يقدر بنحو 560 ألف ليرة لبنانية، كمنحة إضافية لفصل الشتاء، يحصل نحو 50 إلى 70 في المائة من الأسر في المخيمات على هذه المنحة، وهي تغطي ما يزيد على 50 في المائة من تكلفة احتياجاتهم من وقود التدفئة سنوياً. ويحصل آخرون على مساعدة بمقدار 220 ألف ليرة لبنانية في فصل الشتاء. كما تقوم منظمات إغاثية وجمعيات خيرية محلية ودولية بتوزيع كميات إضافية من وقود التدفئة لبعض المخيمات، وتتفاوت هذه المساعدات حسب الجمعية والمخيم. لكن المساعدات لا تكفي الحاجة إلى التدفئة، حيث تقوم معظم الأسر بشراء الوقود من حسابها الخاص لتأمين احتياجات الشتاء، ما يضطرها إلى الاستدانة. وأشار عدد كبير من الأشخاص المفتاحيين إلى اعتماد العديد من الأسر على الحطب للتدفئة”. وللأسف هذا هو الحال أيضاً بالنسبة إلى مسألة الحصول على الكهرباء، مياه الشرب، توفر المياه للاستخدامات المنزلية، توفر خدمات الصرف الصحي وغيرها.

خيم مأجورة!

ربما لا يعرف كثيرون أن تلك الخيم الرثة وغير الصالحة للسكن، التي تتداول صورها وسائل الإعلام المختلفة، يضطر ساكنوها لدفع أجور شهرية لصاحب الأرض، تتراوح ما بين 80 إلى 100 ألف ليرة لبنانية، و”غالباً ما تكون العلاقات بين أصحاب الأرض واللاجئين غير ودية، فالخلاف قائم بشكل دائم حول مبلغ الأجرة وشروط الدفع. يهدد المتخلفون عن الدفع بالطرد من المخيم، وهم يطردون فعلاً في كثير من الحالات. يقوم الشاويش وصاحب الأرض باستغلال حاجة الأسر من خلال تخفيض إيجار الخيمة إلى النصف تقريباً إذا كان أحد أفرادها يعمل مع الشاويش أو في مزرعة مالك أرض المخيم، فتخصم أجور السكن في المخيم من أجور العامل. يقيّم المبحوثون أجور السكن بأنها مرتفعة وغير عادلة وتفوق قدرتهم المادية على تحملها. تنتظر العديد من الأسر المساعدات الأممية لتسديد إيجار الخيم”. لكن ثمة مخيمات أخرى تديرها جمعيات، وهي عبارة عن مساكن مؤقتة تدفع الأسر اللاجئة إيجاراً شهرياً قدره 50 ألف ليرة لبنانية، وهي أجور “تتضمن تكاليف الكهرباء والماء والصرف الصحي وترحيل النفايات، وتدفع الأرامل 15000 ليرة لبنانية شهرياً، في حين يعفى كبار السن والأسر المعوزة من دفع أجرة المسكن المؤقت”.

ومن الطبيعي أن يتقاطع كل ذلك مع الوضع الغذائي للأسر اللاجئة. ففي تقييم لبرنامج الغذاء العالمي في لبنان لأثر الأزمة على مستويات المعيشة في حزيران 2020، تبين أن 50 في المائة من اللبنانيين و63 في المائة من الفلسطينيين و75 في المائة من السوريين يشعرون بالقلق لعدم حصولهم على كميات كافية من الغذاء خلال الشهر الذي سبق، وبالنسبة إلى السوريين أفاد 44 في المائة منهم أنهم تناولوا وجبة واحدة في اليوم الذي سبق. ويرى البرنامج أن اللاجئين السوريين هم الذين يثيرون القلق بشكل خاص، حيث أبلغ 11 في المائة منهم عن قضاء ليل ونهار كامل دون تناول الطعام، و21 في المائة منهم يتغيبون عن وجبات الطعام. كما أشار برنامج الغذاء العالمي إلى أن مستويات الفقر بين اللاجئين السوريين ارتفعت من 55 في المائة كانوا يعيشون في السابق تحت خط الفقر المدقع، إلى 83 في المائة حالياً”.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.