في الثمانين يزهر العمر.. طالبة جامعية تنتظر التخرج من جامعة تشرين

خاص|| أثر برس في الثمانين من العمر، بدأ حلم السيدة نجلاء برغل بالحصول على الشهادة الجامعية-قسم المكتبات، يشق طريقه إلى التحقيق، وذلك بعد أن انتهت قبل أيام من مناقشة مشروع التخرج.

لم ينته مشوارها الطويل الجميل في جامعة تشرين، بعد، ومناقشة مشروع التخرج ليس سوى بداية النهاية، إذ تقول السيدة نجلاء برغل لـ “أثر” إنه لا يزال هناك مادتين تتحضر لتقديمهما في امتحانات الدورة التكميلية لتكلل سنوات التعب والجهد بقطف التخرج الذي لطالما كانت لذته تراود خيالها المسكون بشغف العلم الذي، حسب تعبيرها، لا حدود له طالما توفرت الإرادة.

مشروع التخرج الذي عنونته “تطور تكنولوجيا المعلومات والتحول إلى المكتبة الرقمية”، لم يكن موضوعه سهلاً على برغل التي قالت لـ “أثر”: ليس هناك شيء مستحيل إذا تمتع الشخص بالعزيمة والإرادة والإصرار على تحقيق ما يتطلع عليه، فكيف الحال إذا كان مرتبطاً بالعلم الذي هو أسمى ما يمكن للمرء أن يسعى للوصول إلى أعلى المراتب فيه.

برغل الملقبة بأم هشام التي عاركت الحياة في أكثر من جولة، تعلّمت كيف تصنع من التحدي فرصة جديدة للحياة وكيف تزرع بذرة الحلم والإصرار على تحقيقه في نفس من يعرفها، فكيف لأفراد عائلتها فهي إلى جانب الطالبة الجامعية الملتزمة هي أم لثمانية أولاد والجدة لخمسة عشر حفيداً، ما جعلها قدوة يحتذى بها فكان بين أحفادها الطبيب والمهندس.

في حياة برغل مطبات موجعة، لم تكسرها على قسوتها بل قوّت من عزيمتها، إذ تروي برغل: كنت أعيش مع عائلتي في حي القابون بمدينة دمشق عندما أجبرني المسلحون على مغادرة منزلي بعد أن فقدت ولدي في الحرب، لننتقل إلى اللاذقية ونستأجر منزلاً في ضاحية “بسنادا”.

وتضيف برغل: كان حلم التخرج من الجامعة يراود خيالي باستمرار، وقد بدأت بتحقيق هذا الحلم بعمر 54، عندما حصلت على شهادة محو الأمية ومن ثم شهادة التعليم الأساسي التي حرصت على إخراجها من منزلي تحت تهديد المسلحين، لأكمل مشواري في اللاذقية وأحصل على شهادة التعليم الأساسي بعمر 69، وفي العام التالي حصلت على شهادة التعليم الثانوي وسجلت في كلية التربية-قسم المكتبات.

وعن سبب اختيارها قسم المكتبات، قالت برغل: المكتبات، تعني العلم والثقافة كما تعني التاريخ، أشعر أن المكتبات تلخص المعرفة وأنا طالبة للمعرفة قبل أن أكون طالبة في قسم تعلم المكتبات.

وتابعت بشغف: في الدراسة أفجر كل الحزن والغضب والقهر المزروع في داخلي جراء فقد أولادي في الحرب وتهجيري من منزلي أنا وعائلتي وأيام المعاناة التي عشتها.

بدوره، قال الأستاذ الجامعي في جامعة تشرين ثائر إبراهيم، المشرف على مشروع تخرج برغل، لـ “أثر”: “واكبت خطوات برغل منذ اللحظات الأولى التي شاهدتها فيها تجلس في القاعة الصفية، حيث حازت على اهتمامي واحترامي قبل أن تثير فضولي بالدافع الذي جعلها تتجاوز سنينها الطويلة وتجلس على مقاعد الدراسة بين شباب بعمر أحفادها”.

بضحكة عفوية تلمع عينا ابراهيم وهو يسترجع سريعاً المرة الأولى التي شاهد فيها برغل، ليضيف: “عندما رأيتها تجلس في المقعد اقتربت منها وسألتها إذا كانت تحتاج شيئاً، وكانت تكهناتي استبقت جوابها مرشحة احتمال أنها تنتظر أحد الطلاب، لأتفاجأ بردها بأنها طالبة”.

ونوه إبراهيم بمثابرة برغل واهتمامها الشديد بدراستها، مشيراً إلى أنها طالبة متميزة حيث تلتزم بالوجود يومياً في الجامعة وحضور جميع المحاضرات من بدايتها لآخرها، ويتابع: لديها شغف بالعلم لا مثيل له، حقاً إنها حالة نادرة تستدعي التقدير والتكريم.

اللافت في برغل، حسب ابراهيم، أنه رغم التعليقات السيئة لبعض الطلاب عند رؤيتهم لها وسؤالهم ماذا ستفعل بالشهادة وهي بهذا العمر، لم تهن عزيمتها ولم تتأثر ثقتها بنفسها بل على العكس كانت تقول لهم: “اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد”، وتوصيهم بالعلم بقولها: “العلم يا شباب”.

اللاذقية- باسل يوسف

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.