ضربة مطار دمشق الدولي بين التأثير الاقتصادي والتصعيد العسكري.. على مَن تستند “إسرائيل” بتهديداتها؟

خاص|| أثر برس  في الوقت الذي لا يزال يدور فيه الحديث عن الأضرار التي لحقت بمطار دمشق الدولي في اعتداء 10 حزيران الجاري، والخسائر الاقتصادية التي نجمت عنها، لا تزال التقارير العبرية تؤكد على أن الكيان الإسرائيلي يتجه لمزيد من التصعيد في سوريا، وبضربات أكثر عمقاً، دون التنسيق مع الجانب الروسي.

ضربة 10 حزيران، كانت السابعة التي تستهدف المطار المدني الرئيسي للبلاد ومحيطه، كما أنها الضربة الأعنف على الإطلاق، حيث أعلنت وزارة النقل السورية عقبها أن الاستهداف “الإسرائيلي” تسبب بوقف الرحلات الجوية من وإلى مطار دمشق الدولي حتى إشعار آخر، فيما أشار خبراء اقتصاديون إلى وجود خسائر اقتصادية تكبدها المطار السوري جراء هذه الضربة، حيث نشر الخبير الاقتصادي السوري زياد غصن، مقالاً أشار فيه إلى أنه من خلال قراءة أولية للحدث، نجد أن الخسائر الاقتصادية تشمل تكاليف عمليات الإصلاح، والخسائر المترتبة على توقف الرحلات الجوية الداخلية والخارجية من المطار وإليه، والخسائر المترتبة على الخدمات التي كان المطار يقدمها لعدد من الطائرات غير السورية، والخسائر المترتبة على توقف الشحن الجوي للبضائع، الذي بدأ بدوره يستعيد عافيته بعد موجة تفشي فيروس كوفيد 19 في العام 2020.

ولفت غصن في مقاله، إلى أن “إسرائيل” تحاول من ضربتها هذه تحقيق أهداف اقتصادية تتمثل ببندين أساسيين ، الأول: تحذير شركات الطيران العربية والأجنبية التي بدأت تفكّر وتدرس جدياً إمكانية إعادة تشغيل رحلاتها باتجاه دمشق بعد توقف دام عقداً من الزمن، فضلاً عن الشركات التي عادت لتدرس إمكانية استخدام المجال الجوي السوري في تسيير رحلاتها بين الشرق والغرب لأسباب اقتصادية وزمنية في آن معاً.
والثاني: محاولة تقييد حركة القدوم المتجهة نحو سوريا والمتصاعدة، سواء بقصد الزيارة السنوية المعتادة للعاملين والمغتربين أو بقصد السياحة، وخصوصاً الدينية منها، أو بقصد التجارة، وغير ذلك.

الحديث عن الاستهداف “الإسرائيلي” لمطار دمشق الدولي لم يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل أكدت العديد من التقارير العبرية والعربية على أن هذا التصعيد يحمل في طياته رسائل وخلفيات سياسية عديدة، حيث نشر موقع “إيلاف” العبري أن الكيان الإسرائيلي يحضّر لهجمات أكثر عمقاً في الدولة السورية، كما أفادت صحيفة “يديعوت أحرنوت” بأن “إسرائيل قررت رفع درجة ضرباتها للدولة السورية”، الأمر الذي وجّه أنظار الخبراء والمراقبين إلى دور روسيا “حليفة الكيان الإسرائيلي” في لجم هذه الاعتداءات.

موقف روسيا:
الموقف الرسمي الذي أعلنت عنه روسيا، جاء على لسان المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، بقولها: “مضطرون للتأكيد على أن القصف الإسرائيلي المستمر لأراضي سوريا أمر غير مقبول إطلاقاً، والأعمال غير المسؤولة تخلق مخاطر على الحركة الجوية والدولية وتعرض حياة الأبرياء لخطر حقيقي”، وكذلك قال اليوم الأربعاء مبعوث الرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرينتيف: “سننظر في موضوع القصف الإسرائيلي المتزايد على الأراضي السورية”، مشيراً إلى أن عمليات القصف هذه غير مقبوله خصوصاً الهجوم الأخير على مطار دمشق الدولي.

فيما لفت خبراء، إلى أن روسيا بإمكانها اتخاذ خطوات للجم هذا “التصعيد الإسرائيلي”، حيث أفادت وكالة “أ.ف.ب” عام 2018 أن القوات الروسية تعهّدت بتجنيب مطار دمشق الاستهدافات الإسرائيلية، كما كشفت صحيفة “الأخبار” اللبنانية عن اتفاق روسي – سوري – إيراني يقضي بتحييد مطار دمشق الدولي عن الاستخدام العسكري مقابل تعهّد روسي بعدم استهداف المطار من قبل الكيان الإسرائيلي.

لماذا لم تعمل روسيا بصلاحياتها إذاً؟
هذا السؤال أجابت عنه تحليلات وتسريبات نشرتها تقارير عبرية، حيث قال المحلل السياسي الإسرائيلي “يوني بن مناحيم”، في لقاء مع قناة “الحرة” الأمريكية: “إن التفاهمات الروسية – الإسرائيلية تتلخص بأن لا يتم مساس أي جندي روسي أو منشآت عسكرية روسية عن طريق القصف، موضحاً أن مطار دمشق لا يتعلق بالروس، والقصف الإسرائيلي لا يخل بهذه التفاهمات ولا يعرض الروس للخطر، أما على الصعيد غير الرسمي فنشر أمس الثلاثاء موقع ” i24″ العبري مقالاً كشف عن وجود معلومات تفيد بأن روسيا قدمت اعتراضاً شديد اللهجة للقيادة الإسرائيلية في أعقاب تعطيل المطار، وهددت بتغيير قواعد اللعبة في سوريا والتخلي عن أسس الاتفاق بين البلدين بشأن العمل في الأجواء السورية.

فيما نقل الموقع العبري عن مصدر “إسرائيلي” قوله: “إن إسرائيل بدأت تستعد لعمليات في العمق السوري من دون إبلاغ روسيا كما كان متبعاً”، مشيراً إلى أن “عمليات القصف في الشهر الأخير في كل المناطق كانت بعلم الجانب الروسي، بساعات قبل حدوثها”، لافتاً إلى أن “العلاقات بين روسيا وإسرائيل تشهد تراجعاً منذ اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية”.

هل تتصرف “إسرائيل” بمفردها؟
بالنظر إلى الموقف الروسي الرسمي وغير الرسمي يتضح أن موسكو غير راضية عن الضربات “الإسرائيلية” الأخيرة على سوريا، فيما تشير التسريبات “الإسرائيلية” إلى أن الكيان الإسرائيلي ينوي التصعيد دون الرجوع إلى روسيا، وفي هذا الصدد تؤكد التحليلات أن “إسرائيل” لا يمكنها الإقدام على هذا التصعيد دون التنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أكد المحلل الاقتصادي زياد غصن في مقاله أن “ما جرى بمطار دمشق الدولي ينذر بمرحلة جديدة من الصراع بين دمشق وإيران من جهة، والغرب عموماً من جهة أخرى، إذ إنَّ “تل أبيب” ما كانت لتقوم بهذا العمل لولا الموافقة الأمريكية المسبقة، ليس بحكم التنسيق العملياتي القائم بين واشنطن والكيان الصهيوني فحسب، إنما لوجود قوات أمريكية تعمل بشكل غير مشروع على الأرض السورية أيضاً، تالياً إن “تل أبيب” لن تخاطر بعمل كهذا من دون إعلام واشنطن والتنسيق معها لحماية قواتها، بالنظر إلى خطورة عملية استهداف المطار وما تحمله من تبعات سياسية واقتصادية، الأمر ذاته أكدته وكالة “المركزية” اللبنانية، حيث نقلت عن مصادرها أنه على ما يبدو أن واشنطن أعطت تل أبيب، حليفتَها الأولى في المنطقة، ضوءاً أخضر للذهاب أبعد في خططها لمواجهة أعدائها في الإقليم وفي سوريا تحديداً، وأتاحت لها تطوير هذه المواجهة وتوسيع نطاقها وبنك أهدافها.

صحيفة “نيزافيستيا غازيتا” الروسية أشارت إلى هذا التفصيل بمقال نشرته، أشارت خلاله إلى سيناريوهات الرد على التصعيد “الإسرائيلي” في سوريا والذي يهدف بالدرجة الأولى إلى الضغط على الدولة السورية للحد من تعاونها مع إيران، حيث قالت فيه: “إن  لكل سيناريو قوة ثمناً، فقد تكون النتيجة غير المباشرة للتصعيد الإسرائيلي سلسلة من الضربات على منشآت عسكرية أمريكية في المنطقة” مضيفة أن “مصادر في الإدارة الرئاسية الأمريكية اشتكت لشبكة إن بي سي، الأسبوع الماضي، من أن عدد مثل هذه الهجمات في العراق وسوريا زاد بشكل كارثي في ​​الأشهر الأخيرة”.

ويشير الخبراء إلى أن خلال هذه الفترة وبالتزامن مع الحرب الدائرة في أوكرانيا، تحاول الولايات المتحدة الأمريكية الضغط على روسيا في كافة الملفات، مشيرين إلى أن تكثيف الغارات “الإسرائيلية” في سوريا من شأنه أن يُحرج روسيا أمام حلفائها السوريين والإيرانيين، ويسبب بتصعيد التوتر بين موسكو و”تل أبيب”، الأمر الذي يخدم المصالح الأمريكية في الحرب الأوكرانية.

وتأتي هذه التطورات في الوقت الذي يشهد فيه العالم أجمع حالة من التوتر واللاستقرار سواء بسبب الحرب الأوكرانية وتأثيراتها على المنطقة، أو بسبب تزايد التهديدات “الإسرائيلية” لسوريا وحلفائها إلى جانب حروب وأزمات أخرى، الأمر الذي يُنذر بحسب محللين بأن العالم بات على مشارف نظام عالمي جديد من شأنه أن يحسم صراعات عانى منها لعقود من الزمن.

زهراء سرحان 

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.