شمالاً.. هدوء ما قبل الاتفاق أو العاصفة

خاص|| أثر برس عادت الدوريات المشتركة بين القوات الروسية والتركية للتحرّك وفقاً للخطوط المتّفق عليها بين الدولتين لمراقبة وقف إطلاق النار المفترض العمل به منذ تشرين الأول من العام 2019، وذلك بالتزامن مع هدوء نسبي في التصريحات التركية والاستهدافات بالمدفعية الثقيلة المتبادلة بين الطرفين، والأمر مرتبط بما قد تسفر عنه المشاورات السياسية التي يخوضها الروس مع الجانبين، والتي قد تسفر عن اتفاق تهدئة طويل الأمد أو مستدام في المنطقة الممتدة شمال الحسكة والرقة.

تأخر “مجلس سوريا الديمقراطية-قسد” في التوجه نحو حوار مفتوح مع الحكومة السورية جاء بناء على رفض الجانب الأمريكي لهذا الحوار من جهة، وبالتزامن مع التهدئة التركية، عاد قادة “قسد”، لنفي وجود نية لديهم لتسليم أي منطقة للحكومة السورية أو انتشار قوات إضافية من الجيش السوري في المنطقة، والأمر يتعلّق بشكل مباشر بالوعود التي قدّمها الوفد الأمريكي الذي دخل الأراضي السورية مؤخراً، والذي طرح فكرة إمكانية إقامة قاعدتين جديدتين في محافظة الحسكة، كما أن الحديث عن “حقول النفط”، غاب بشكل نهائي عن تصريحات قادة الفصائل الكردية فيما يبدو إنهم إحساس بزوال الخطر التركي لا أكثر.

المشاورات بحسب المعلومات التي حصل عليها “أثر برس”، قد تفضي إلى انسحاب “قسد”، من مناطق في ريف حلب الشمالي الأوسط، ومحيط “عين عيسى”، بريف الرقة وتسليم هذه المناطق إلى الجيش السوري مع ضمان الروس عدم وجود أي تمركز لـ “قسد”، ومن خلفها حزب العمال الكردستاني بمسافة لا تقل عن 25 كم بعيداً عن الحدود في هذه المناطق، وتقديم “الوحدات الكردية”، شمال حلب، و”قسد”، في شرقها وشرق الفرات لضمانات بعدم استهداف المناطق التي تنتشر فيها قوات الاحتلال التركي والفصائل الموالية لها، وهذا يتناقض مع التصريحات القادمة من “القامشلي”، التي تحاول اللعب بأوراق سياسية وخدمية للإبقاء على قاعدتها الشعبية، فمسألة التخلّي عن مناطق جديدة بالنسبة لها تعد من الخسائر الكبرى التي تهدد صورتها كقوة فاعلة في المنطقة “وسلطة أمر واقع”، وعلى هذا الأساس تحاول القيادات الكردية التمسّك بالنفي على الرغم من أن ما سيحدث هو الانسحاب بسلم أو بحرب إن حدثت عراقيل من قبل أي طرف، ويربط ملف الصراع “الكردي – التركي”، -إن صح التعبير – في الداخل السوري، بنتائج الاجتماع الثلاثي بين ضامني “مسار آستانا”، المتوقّع عقده في الشهر القادم، والذي قد ينتج عنه تفاهمات ميدانية أساسية بشأن شمال سوريا وإدلب، وكلا الأمرين مهمين بالنسبة للدول الثلاث (إيران – روسيا – تركيا)، فإن كانت موسكو لا ترغب بمعركة بين الكرد والأتراك في أي منطقة من سوريا، فإن أنقرة لا ترغب بأي معركة سورية باتجاه محافظة إدلب التي تسيطر عليها تنظيمات متطرّفة على رأسها “جبهة النصرة”، والأمر بالنسبة للأتراك ضمانة لتحقيق مكاسبة سياسية وميدانية طويلة الأمد.

لا تمتلك “قسد”، استقلالية القرار في أي مسألة تتعلّق بالميدان أو السياسة، والتعامل مع الحكومة السورية رهين موافقة الإدارة الأمريكية التي تحافظ على التواصل المباشر مع “قسد”، من خلال فريق تابع لوزارة الخارجية الأمريكية يتمركز في “قاعدة هيمو”، الواقعة إلى الغرب من مدينة القامشلي، وهذا الفريق يعد القيادة الرسمية لـ “قسد”، بعيداً عن الشخوص الكردية التي تظهر في وسائل الإعلام وعلى رأسها “مظلوم عبدي”، الذي يجد نفسه ملزماً كـ “قائد عام لقوات سوريا الديمقراطية”، أن يحاور الروس للحفاظ على وجود قواته وضمان أمنها من التهديدات التركية في ظل البرود الأمريكي في هذا الملف، لكن واشنطن تكبّل أي تحرّك يمكن أن تذهب إليه “قسد”، حتى لإنقاذ نفسها، فالمطلوب منها تحديداً هو ثلاث ملفات، الأول الحفاظ على إخراج المقدّرات السورية من النفط والحبوب من حسابات الخزينة العامة للدولة، والثاني الحفاظ على أكبر مساحة ممكنة من الشرق السوري خارج سيطرة الحكومة السورية، والثالث الحفاظ على عناصر تنظيم “داعش” في معتقلات ومخيمات بعيدة عن دولهم الأم، وبهذه الأهداف الثلاث يمكن اختصار أهمية “قسد”، بالنسبة لـ “واشنطن”، لكن التفاهم دولياً على هذه الملفات الثلاث سيعني بالضرورة انتهاء الحاجة الأمريكية لوجود “قسد”، وهذا ما يفهمه قادة القوى السياسية الكردية جيداً، لذا يحاولون البحث أوراق نجاة مرحلية، وأخرى طويلة الأمد.

محمود عبد اللطيف 

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.