دمشق وأنقرة على مسار التطبيع الشامل.. أي مؤشراتٍ حملها اجتماع موسكو؟

خاص|| أثر برس للمرة الأولى منذ 2011، نقلت صحيفة “جمهوريت” بيان وزارة الدفاع التركيّة الذي أكدت فيه لقاء وزير الدفاع خلوصي آكار مع نظيره السوري علي محمود عباس في موسكو، من دون ورود كلمة “النظام السوري” في بيانها، في وقت دأب فيه الإعلام التركي على إطلاقها عند إشارته إلى الدولة السوريّة.

الإعلان الذي أصدرته روسيا وتركيا وسوريا مساء أمس بشأن اجتماع وزراء دفاعها جاء توقيته مفاجئاً في الأوساط الإعلامية والسياسية، على الرغم من الحديث عن إمكانية حصول تقارب تركي-سوري منذ تصريح وزير الخارجية التركية مولود جاويش أوغلو في 11 آب الماضي عن نيّة أنقرة بالتوجّه للحوار مع دمشق، وهذا ما أكده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في معرض سؤاله عن سوريا، قائلاً: “إن الدبلوماسية بين الدول لا يمكن قطعها بالكامل، غير أنه تم تداول أنباء نقلتها وسائل إعلام غربية وعربية تفيد بأن دمشق لا تريد أن تمنح أردوغان ورقة رابحة في معركته الانتخابية في العام المقبل”.

لم تبدِ الدولة السوريّة أي موقف معلن اتجاه تطبيع العلاقات مع تركيا، حتى في ذروة الكشف عن عقد اجتماعات عدة بين رئيس المخابرات التركية هاكان فيدان و رئيس مكتب الأمن الوطني السوري علي مملوك في دمشق، في أيلول الماضي، وهذا بدا أن دمشق لا تستعجل إعلان أي تقدم في تفاهماتها الجارية مع أنقرة؛ لطالما أكدت في بياناتها الرسمية الصادرة عن وزارة خارجيتها أن هناك مستلزمات واقعيّة لتحقيق أي انفراجات قادمة في ملف التقارب، أبرزها خروج القوات التركيّة من الأراضي التي تسيطر عليها شمالي البلاد، ووقف دعم الفصائل المسلّحة، إذاً هل نستطيع القول إن الدولة السوريّة حصلت على موافقة تركيّة ضمنية بشأن مطالبها؟، وهل يعدّ اجتماع وزيري الدفاع السوري والتركي اتّفاقاً ثنائياً نهائياً، ولا سيما بعد أن وصفته دمشق وأنقرة بالإيجابي؟.

يرى المحلل السياسي المتخصص بالشأن التركي أحمد الإبراهيم في حديث لـ “أثر”، أن “تصريح الجانبين السوري والتركي عن الإيجابية يعني أنهما يسيران في بداية المسار الصحيح للوصول إلى تفاهمات مستقبليّة مشتركة”، معتبراً أن “الاجتماع في موسكو يدل على أن أنقرة موافقة ضمنياً على شروط دمشق، وأهمها إعادة اللاجئين إلى مناطقهم في سوريا من دون تغييرات ديموغرافية أو إنشاء مناطق آمنة، بالإضافة إلى سحب الاعتراف التركي بـ “الجيش الوطني” وخروج القوات التركية من الأراضي السوريّة”.

ثمّة مصلحة سوريّة-تركيّة مشتركة في التوصل إلى تطبيع علاقاتهما، لا تقل أهميةً عن نقطة الاتّفاق بشأن منع قيام الوحدات الكردية كيانات انفصالية على أسس عرقية في المنطقة، وهي العامل الاقتصادي المشترك، إذ يسعى الرئيس التركي إلى استقطاب الشركات ورجال الأعمال من أجل الانتخابات الرئاسية القادمة، على حين تطالب سوريا باستعادة السيطرة على أوتوستراد “M4” الاستراتيجي الذي يربط حلب بالساحل السوري، بالإضافة إلى فتح معبر باب الهوى وتأمين الطريق لفتح ممر تجاري آمن بين الدولتين، وفي هذا الإطار يشير الإبراهيم إلى أن “وزير الاستثمار السعودي صرّح أن بلاده تسعى لتحقيق استثمارات في تركيا بقيمة 3.3 تريليون دولار”، لافتاً إلى أن “أنقرة ستعمل على إنهاء وجود سيطرة الفصائل المسلّحة في الشمال السوري بهدف تأمين خط الترانزيت مع الرياض عبر سوريا، وليس من المستبعد أن نشهد تقارب سعودي-سوري في الأيام القادمة، تماشياً مع تقارب دمشق وأنقرة”.

وبخصوص العملية البرية التركية التي يهدد المسؤولون الأتراك بشنّها ضد الوحدات الكردية شمالي سوريا، أوضح الإبراهيم أنه “من المتوقع شن عملية برية محدودة في ظل وجود تفاهمات تركيّة-أمريكية، حيث تريد أنقرة إرسال تطمينات إلى الداخل التركي وذلك يحدث برضا أمريكي تام”، وفي حين أكد أن “وجود تفاهم تركي-سوري ليس من مصلحة الأمريكيين، فإنه استبعد أن يحدث ذلك من دون حصول أردوغان على ضوء أخضر أمريكي غير معلن، مستذكراً خروج عدنان مندريس (رئيس الوزراء التركي عام 1950) عن المسار الأمريكي في المنطقة حينها، وهذا أدى إلى إعدامه عام 1960 بعد حصول انقلاب عسكري على حكومته“.

وعن الوساطة الروسيّة بين سوريا وتركيا، اعتبر الإبراهيم في حديثه إلى “أثر” أنها “تأتي في وقت تريد فيه موسكو بناء جو إيجابي بين دمشق وأنقرة للتفرّغ إلى جبهة أوكرانيا التي تحدد اليوم مسار العالم، وبذلك يدعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقاء أردوغان في السلطة لأنه حيادي بشأن الحرب في أوكرانيا، ويخشى وصول الحزب الجمهوري إلى الحكم، إذ يوجد فيه تيار غربي أمريكي من الممكن أن يضغط على موسكو في الملف الأوكراني”.

تنتظر التفاهمات التركيّة-السوريّة طريقاً شائكاً لجهة الفصائل المسلّحة التي دعمتها أنقرة منذ بداية الحرب على سوريا شمالاً، ولا سيما أن أنقرة تحصر الإرهاب في ملف الوحدات الكردية، في حين توجد عشرات الفصائل المسلّحة التي يحمل مسلحوها أكثر من 84 جنسية، وما تزال تقاتل على الأراضي السورية بدعم من تركيا، وترى دمشق أنها مجموعات إرهابية، وقد تكون دعوة رئيس مجلس الدوما الروسي فياتشيسلاف فولودين في منتصف الشهر الجاري، إلى عقد مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب في موسكو، بمشاركة سوريا وتركيا ودول أخرى، تأتي ضمن الجهود التي تبذلها موسكو لتقريب وجهات النظر بين دمشق وأنقرة.

ومن الواضح أن وقف الدعم الذي كان يصل من العاصمة القطرية والمخابرات التركية إلى أعضاء “الائتلاف” المعارض، يعني أنه ثمّة قرار بإخراج “الائتلاف” من حسابات العملية السياسية، وبالتالي قد يكون الأمر ناتج عن أحد احتمالين، إما تسوية سريعة للملف السوري، أو خلق كيان معارض بديل للائتلاف، بحسب مصادر “أثر”.

علي أصفهاني

مقالات ذات صلة