خطوات أوروبية تجاه دمشق.. تطورات تستحق النظر بتبعاتها وخلفياتها

خاص|| أثر برس في الوقت الذي تتوجه فيه الأنظار إلى مستقبل سوريا السياسي والاقتصادي خلال السنوات السبع المقبلة، وفي الوقت الذي تتركز فيه الأنظار على المواقف والإجراءات التي أقدمت عليها الدول العربية التي سبق أن فرضت عزلة تامة على دمشق لمدة عقد من الزمن وعلى رأسها دول الخليج، تُعلن دولاً من الاتحاد الأوروبي عن إعادة افتتاح سفاراتها في دمشق، حيث تم الكشف عن وصول دبلوماسيين من كل من اليونان وهنغاريا وصربيا، إلى دمشق، وأن الاستعدادات جارية لاستئناف العمل الدبلوماسي.

الخطوة الأبرز والتي كانت بوابه الكشف عن نية هذه الدول باستئناف العمل في سفاراتها بدمشق، هو الإعلان عن افتتاح سفارتي قبرص واليونان، وبحسب مراقبون فإن هذه الخطوة تحمل عدة أبعاد وخلفيات، ففي أيار 2020 أعلنت الخارجية اليونانية أنها أرسلت مبعوثة خاصة إلى دمشق، وقالت في بيان لها: “إن الأمر سيشمل اتصالات حول الأبعاد الدولية لسوريا والأعمال الإنسانية ذات الصلة، فضلاً عن تنسيق الإجراءات في ضوء الجهود الجارية لإعادة بناء سوريا” حيث أشارت صحيفة “غريك سيتي تايمز” اليونانية حينها إلى أن “هذه الخطوة استراتيجية للغاية حيث تمّ تكليف شخص على دراية بسوريا وسلطاتها، ما يشير إلى أنها ليست سوى مسألة وقت حتى تتم إعادة فتح السفارة في دمشق”.

وحول المصلحة التي ستحققها اليونان من هذه الخطوة أشارت الصحيفة اليونانية إلى التوتر الحاصل بين تركيا التي تحتل مساحات من الشمال السوري واليونان لا سيما بما يتعلق بأنشطة التنقيب التي تجريها أنقرة في شرق المتوسط، قائلة: “بإعادة فتح العلاقات مع سوريا سوف يميل توازن القوى في شرق البحر المتوسط مرة أخرى لصالح اليونان، لأن تركيا ليس لديها أي حليف في المنطقة”.

أما بالنسبة للسفارة القبرصية، نقلت إذاعة “شام إف إم” المحلية عن مصادر ديبلوماسية تأكيدها على أن “السفارتان القبرصية واليونانية تم إعادة افتتاحهما في دمشق منذ ما يزيد عن ستة أشهر بتمثيل قائم بالأعمال، والسفارة الهنغارية موجودة بذات التمثيل منذ ما يقارب العام” مشيراً إلى أنه لم يتم الإعلان عن ذلك تجنباً لتعريض الدول الثلاث للضغوط الأوروبية.

ما سبق يشير إلى أن خبر افتتاح السفارتين القبرصية واليونانية هي خطوة غير مفاجئة، لكن المفاجئ هو تسارع افتتاح سفارات بشكل كامل، وحول هذه الخطوات قال الخبير السياسي عمار وقاف، في حديث لـ”أثر”: “الجديد في الأمر هو تسارع افتتاح سفارات بشكل كامل وتزامنها الرمزي مع انتخابات الرئاسة السورية، إلا أن الفكرة تبقى نفسها: لن تسقط الدولة السورية، وعلينا (أي الأوروبيين) أن نفتح القنوات معها بغية حماية مصالحنا”.

وحول المصلحة التي تحققها الدولة الأوروبية من إعادة علاقاتها مع دمشق، دون أن يتم أي تغيير في السياسة السورية أو تقديم أي تنازلات من قبل الدولة السورية، قال وقّاف: “ما يجبر هذه الكتلة من الدول، ربما أكثر من غيرها، على العودة إلى دمشق أمران أساسيان، الأول: هو التهميش الذي باتت هذه الدول تشعر به فيما يتعلق بقدرتها على التأثير في مسار وسيرورة الأزمة السورية، وفقدان نفوذها بشكل متزايد لصالح دول تعتبرها منافسة لها، والثاني: هو قلق ناخبيها المتزايد من تحول استضافتهم “الإنسانية” للاجئين السوريين إلى وضع مستدام، في هذا السياق، تتيح دول أوروبية لم تتصدر يوماً جبهة المواجهة مع الدولة السورية، كقبرص واليونان والمجر، الفرصة للكتلة بأكملها كي تشق قنوات أولية للتواصل”.

وفي ظل اتخاذ هذه الخطوات من قبل دول تنتمي لاتحاد يفرض عقوبات اقتصادية خانقة على سوريا، وتعرب باستمرار عن موقفها المعارض لسياستها، ثمّة سؤال يفرض نفسه حول ما سيلي هذه الخطوة وإمكانية تخفيف الضغوط الاقتصادية المفروضة على سوريا، حيث قال وقّاف في هذا السياق: “علينا التحفظ قليلاً في استنتاجاتنا حول تبعات هذه الخطوة، إذ أن من غير المتوقع أن يؤدي فتح سفارات هذه الدول الثلاث إلى تخفيف العقوبات الرسمية التي تفرضها الكتلة الأوروبية على السوريين عمّا قريب. قد يحدث غض نظر هنا أو هناك، ويمكن للمرء أن يتوقع صفقات معينة في هذا السياق أتاحت افتتاح السفارات، إلا أن الموقف الأوروبي الرسمي يتماشى حتى الآن مع الموقف الأمريكي الذاهب باتجاه تشديد العقوبات” وفي الوقت ذاته أشار وقّاف إلى أن “مع هذا، يمكن القول إن ثغرة في الجدار قد فتحت، وسيترتب على هذا مزيداً من الانفراجات التي ستنعكس إيجاباً في النهاية على الوضع الاقتصادي والسياسي في سوريا”.

من الواضح أن قبرص واليونان التي تعمل على التقارب مع سوريا، لديها عدة أهداف، منها تشكيل حلف مع سوريا ضد عدو مشترك يؤثر على مصالحها بشكل لافت، فمثلاً قبرص واليونان تشهد علاقتهما مع تركيا التي تحتل أجزاء من الشمال السوري توتراً لافتاً، حيث أفادت صحيفة “العرب” بأن مراقبين يقرأون الخطوة اليونانية أنها تهدف إلى التقرب من سوريا وبناء تحالف بين دول قادر على مواجهة تركيا في شرق المتوسط، الأمر الذي يمكن إسقاطه أيضاً على غيرهم من الدول التي تشترك مع سوريا في بعض المواقف في ظل التوترات التي يشهدها العالم بين بعض الدول، وبالنتيجة فإن الدولة السورية تعود إلى محيطها العربي والعالمي دون أن تقدم أي تنازلات، حيث يشير محللون إلى أن ما يجري مؤشر واضح إلى تحولات سياسية لافتة ستطرأ على البلاد وستُلحق بطبيعة الحال بتحولات اقتصادية وتجارية.

زهراء سرحان

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.