خاص أثر| القابون يروي حكايته.. والمعارك تُعلن وجهتها!

 

خاص أثر || علي حسن

 

الساعة الثانية تماماً من ظهر يوم السبت، أعيرةٌ نارية تُطلق في سماء العاصمة دمشق، “ماذا يحدث؟ أُعلنت الحرب أم ماذا؟” هو السؤال الذي تَراود لأذهان السكان قبل معرفة نبأ دخول القوات السورية إلى حي القابون الدمشقي الذي طالما شهد معارك عنيفة على مدى أكثر من تسعين يوم.

 

القابون.. الأهمية الاستراتيجية

حي قديم يقع في الجهة الشمالية الشرقية للعاصمة دمشق، يبعد عن مركز المدينة نحو 4 كلم، يجاوره أحياء برزة من الشمال وجوبر من الجنوب، يمر خلاله المتحلق الشهير “أوتوستراد دمشق-حمص”، فضلاً عن تمركز عقدة مواصلات هامة تُعرف بـ “عقدة القابون”، كما أنه يعد البوابة الشمالية للعاصمة.

حسب دراسة إحصائية أجرتها الحكومة السورية قبل 8 سنوات، أي قبل اندلاع الحرب السورية، قُدّر عدد سكان حي القابون بـ 80 ألف نسمة من طوائف مختلفة، تعايشت فيما بنها لسنوات ليست بقليلة، إلّا أن عدد السكان حالياً بات بضعة آلاف.

أيضاً، يشكل هذا الحي نقطة تهديد لا يستهان بها بالنسبة للعاصمة دمشق، إذ طالما مكّن الفصائل المعارضة المسيطرة عليه من استهداف الأحياء السكنية بالقذائف الصاروخية ورمايات القنص.

“أهلاً بكم في دمشق” العبارة الشهيرة التي يقرأها كل زائر آتي من المحافظات السورية الأخرى، ولاسيما أن هذه العبارة خُطت على بوابة كراج انطلاق ووصول باصات البولمان، الأمر الذي جعل هذا الحي يوصف بأنه بوابة العاصمة.

 

 

القوات السورية تدخل القابون.. حربٌ أم تسوية!

بعد معارك استمرت نحو 3 أشهر، دخلت القوات السورية إلى حي القابون، متبعةً تكتيكات عسكرية قل ما اتبعتها في معاركها السابقة، ولاسيما تكتيك فصل الانفاق عن بعضها البعض، الأمر الذي قطع طرق الإمداد التي تعد صلة وصل هامة بين الفصائل المعارضة، ما دفع ثلثَي مقاتليهم إلى الانسحاب نحو بلدتي عربين وحرستا، فيما فضّل الثلث المتبقّي الرضوخ لبنود الاتفاق القاضي بإخراجهم نحو محافظة إدلب.

 

 

الاتفاق المذكور طُرح من قبل السلطات السورية قبل عدة أشهر، وبالفعل قَبل مقاتلو حي برزة المجاور منذ نحو أسبوع بالاتفاق، مفضلين التوجه نحو إدلب عن خوض حرب ضروس قد تنتظرهم في حال رفضهم، حيث استكملت مرحلتان من الاتفاق، ومن المفترض أن تستكمل باقي المراحل في الأيام القليلة القادمة.

إلّا أن مقاتلي المعارضة المتواجدين في حي القابون رفضوا في بادئ الأمر بنود الاتفاق، معززين بذلك نقاطهم في الحي استعداداً لمعارك عنيفة مع القوات السورية.

خلال 48 ساعة، وفور اتباع القوات السورية للتكتيك المذكور أعلاه، أعلنت الفصائل المعارضة قبولها ببنود الاتفاق، على أن يتم إخراج الراغبين منهم نحو محافظة إدلب، وإبقاء من يرغب منهم بـ “تسوية أوضاعه” داخل الحي وفق القانون الذي أصدرته السلطات السورية منذ انطلاق سياسة التسويات.

 

 

أولى بنود الاتفاق.. قيد التنفيذ!

علمت شبكة أثر من مصادر محلية في حي القابون أن صباح يوم الأحد سيشهد خروج نحو 13 حافلة تقل  300 مقاتل تابع للفصائل المعارضة، بالإضافة لـ 1136 شخصاً من ذويهم باتجاه محافظة إدلب.

ومن المفترض أن يتم خلال الأيام القليلة القادمة تنفيذ باقي المراحل، إلى أن يعود حي القابون إلى كنف السلطات السورية بالكامل ويصبح خالي من المظاهر المسلحة تماماً.

 

 

لواء في القوات السورية يتحدث: ماهو البُعد العسكري لمعركة القابون؟

تحدث اللواء محمد عباس لوكالة سبوتنيك الروسية عن البُعد الاستراتيجي لحي القابون، قائلاً إنه يقع في الخاصرة الشمالية الشرقية لمدينة دمشق، كما أنه يسيطر بشكل مباشر على الطريق الممتد من العدوي باتجاه حرستا وصولاً إلى القطيفة أي الطريق الدولي الذي يربط دمشق بباقي المحافظات الشمالية، فضلاً عن أنه يتحكم بالطريق الممتد ما بين برزة ومشفى تشرين العسكري وضاحية الأسد.

وأضاف اللواء عباس أن سيطرة القوات السورية على القابون تُبعد الأعمال العسكرية الهجومية عن دمشق، والتي كان آخرها في شهر آذار الماضي عندما حاول مقاتلو المعارضة وصل حي جوبر بالقابون والسيطرة على عقدة القابون التي تشكل نقطة استراتيجية محورية في التحكم بمدينة دمشق والسيطرة عليها.
ويرى اللواء عباس أن البعد العسكري للسيطرة على القابون يكمن أيضاً في أنه يمكّن القوات السورية من تفكيك شبكة الأنفاق التي تمتد بين برزة وحي تشرين والقابون باتجاه جوبر وعربين وحرستا، والتي كانت تعدّ طرق إمداد هامة واستراتيجية تمد مقاتلي المعارضة بالسلاح والذخيرة، فضلاً عن أنها كانت تؤمن خط التواصل ونقل المخطوفين من وإلى الغوطة الشرقية.

 

 

بعد طي ملف القابون.. إلى أين تتجه بوصلة المعارك!

المشهد العسكري، والجغرافي أيضاً، يشير بطريقة أو بأخرى إلى أن وجهة المعارك القادمة ستأخذ منحى حي حرستا ومن ثم عربين وجوبر ولاحقاً دوما، ولاسيما أن السيطرة على القابون ستزيد من الضغط العسكري على مقاتلي المعارضة المتمركزين في هذه الأحياء.

ومن المتوقع حسب مصدر ميداني أن تنتقل القوات السورية التي كانت تعمل في القابون وبرزة وتشرين إلى تنفيذ مهام قتالية في مناطق جديدة من الغوطة الشرقية، الأمر الذي سيؤمن العاصمة دمشق ويبعدها بشكل كلّي عن الهجمات والاستهدافات الصاروخية.

 

معاركٌ إلكترونية تندلع بين ناشطين المعارضة!

موجة من التغريدات “التي تخللها طابع التخوين” لوحظت على صفحات ناشطي المعارضة في موقع تويتر، البعض يوجه أصابع الاتهام إلى “جيش الإسلام”، والبعض الآخر يحمّل “فيلق الرحمن” السبب في انسحاب الفصائل من حي القابون، وسط تنديد شديد اللهجة طال قيادات الفصائل كافة.

 

 

يبدو أن الصورة باتت جلية الملامح بالنسبة لجمهور المعارضة، الجميع بات يخوّن القيادات، الجميع بات يرى أن الفصائل المقاتلة تعيش على أنقاض المدنيين القاطنين في مناطق سيطرتهم.. جوهر الحديث هنا يكمن في موجة التغريدات أيضاً التي تتهم قيادات الغوطة الشرقية باحتكار البضائع في دوما وعربين، الأمر الذي يزيد من معاناة السكان.

اليوم، وبعد أكثر من 90 يوم على المعارك الضارية، تُنهي دمشق حكاية حي القابون الذي طالما أقلق سكان العاصمة دمشق، ولاسيما مع الاستهدافات الصاروخية التي أودت بحياة عشرات المدنيين.

على الهامش، يتحدث العم أبو معروف –بائع حلوى في إحدى محلات منطقة التجارة- قائلاً: “من اليوم صار فيي حط هالكرسي برا وإشرب كاسة شاي، بدون ما آكل هم القذائف”، ويتابع بلهجته الشاميّة: “وحياة هالشوارب محسوبك ما بخاف من شي ويلي إلو عمر ما بتهينو شدة، بس الحذر واجب”.

 

 

 

 

مقالات ذات صلة