ثمن الجلسة يصل أحياناً إلى 25 ألف للساعة الواحدة.. هل باتت الدروس الخصوصية مظهر من مظاهر التفاخر الاجتماعي؟

خاص || أثر برس 

بعد جهدٍ جهيد تمكنت السيدة عواطف من التواصل مع أستاذ لمادة الرياضيات ليجري مراجعة لابنتها يارا في الصف التاسع، وبعد أخذ وصد ومناقشات بشأن سعر الساعة قبلت السيدة المذكورة “على مضض” دفع 25 ألف ل.س ثمن الجلسة الواحدة ومدتها 60 دقيقة؛ لأنه لم يتبق وقت فالامتحانات باتت قاب قوسين أو أدنى والفتاة تحتاج لأربع جلسات، بحسب ما ذكرته لـ “أثر”.

كثيرة هي القصص التي نسمعها عن حالات الابتزاز التي يتعرّض لها أولياء الأمور أثناء بحثهم عن المدرس “الاختصاصي” فوالد الطالب يزن في الصف الثالث الثانوي العلمي يدفع شهرياً مبلغاً وقدره 250 ألف ليرة لأنه يدرّس ابنه مادة الرياضيات.

يقول أحد الأساتذة الذي رفض ذكر اسمه، لـ “أثر”: “إن موسم الامتحان هو فرصتنا لتحسين أوضاعنا المعيشية فكل شيء إلى ارتفاع ولم نعد قادرين على تحمل هذه المعيشة”.

بالمقابل السيدة ناهد لا تستطيع تعليم ابنتها في الصف الرابع بسبب صعوبة المنهاج، لذلك اضطرت إلى إخضاعها للدروس الخصوصية وبشكل يومي مقابل 5000 ليرة عن كل جلسة متضمنة مراجعة الدروس كل يوم في يومه.

وفي السياق نفسه، قالت مديرة الإشراف التربوي في وزارة التربية إيناس ميه في تصريح لـ “أثر”: “في البداية نحن نعيش في عصر يتميز بسرعة هائلة في إنتاج المعلومات والمعارف، ونحتاج إلى إعداد إنسان قادر على العيش في هذا العصر واستخدام أدواته وتمتعه بالمهارات التي يحتاجها في حياته وفي عمله؛ فالمعلومات الصم التي يتلقاها المتعلم ليحفظها ثم يقوم بسكبها كما هي على ورقة الامتحان، فهي وإن ساهمت في حصوله على درجات عالية إلا أنها لن تمكنه من الانخراط في عالم يحتاج إلى مهارات كبيرة وقدرات متميزة”.

نقص مهارات:

وبالتأكيد حسب مديرة الإشراف التربوي فإن الدرس الخاص لن يوفر للمتعلم هذه القدرات والمهارات، بل سيصنع منه شخصاً اتكالياً متلقياً بشكلٍ سلبي فقط، يفتقد إلى روح المبادرة والقدرة على الابتكار والإبداع؛ مضيفةً “سعت وزارة التربية من خلال المناهج المطورة إلى أن يصبح المتعلم محوراً للعملية التعليمية التعلمية، وأن ينتقل من متلقٍ سلبي إلى مشارك فاعل يبحث ويفهم ويحلل ويستنتج ويطبق المعارف والمهارات التي اكتسبها في مواقف جديدة، ويصبح بذلك مواطناً فاعلاً يسهم في بناء وطنه، فالمناهج المطوّرة تحفّز المتعلم على الاعتماد على نفسه وعلى اكتساب المهارات، لذلك فقد تم تصميمها بطريقة تساعده على ذلك لناحية وضع أنشطة تعلميّة يقوم بها المتعلم داخل الصف بإشراف المعلم تساعده على اكتساب المعارف، وقد تم التدريب على طرائق التعلم النشط، وزودت المناهج بأدلة للمعلمين تساعدهم على استخدام الطرائق النشطة في التعلم”.

أسباب ظاهرة الدروس الخصوصية:

وإذا أردنا تحليل أسباب ظاهرة الدروس الخصوصية يمكننا أن نحدد مجموعة أسباب منها: عدم رغبة بعض المعلمين بتعديل طرق تدريسهم وتحويل الاهتمام نحو المتعلم ليصبح هو المحور، ومقاومة بعضهم للتغيير ليبقى هو المسيطر والمصدر الوحيد للمعلومات، وكذلك استفادة بعض المعلمين من هذه الظاهرة لتحقيق مكاسب مادية، إضافةً إلى مقاومة أولياء الأمور للتغيير ورغبتهم في حصول أبنائهم على درجات عالية بصرف النظر عن اكتسابهم للمهارات والقدرات، لذلك نجد أن الدروس الخصوصية أصبحت مظهراً من مظاهر التفاخر الاجتماعي.

وفيما إذا كان جهل الأهل سبباً من أسباب الاعتماد على المدرس الخصوصي أجابت ميه: “عدم قدرة بعض الأولياء على متابعة تدريس أبنائهم أمر طبيعي فلا يمكن للولي أن يقوم بهذه المهمة فهو ليس معداً علمياً أو تربوياً ليقوم بتدريس جميع المواد الدراسية، وحين يجد أن المدرس مقصر في أداء عمله يضطر للجوء إلى المدرس الخاص، إضافةً إلى وجود ثقافة تربوية تقليدية لدى بعض الأولياء الذين يرون أن اكتساب المهارات وإنجاز الأبحاث أو المشاريع هو أمر ثانوي مقارنةً بالدرجات العالية التي يجب أن يحصل عليها المتعلم، وبما أن التربية شأن مجتمعي وتعبّر عن تطلعات المجتمع ورؤيته التي يريدها لأبنائه في المستقبل علينا أن نجيب أنفسنا عن هذا السؤال: هل نريد لأبنائنا علامات أم نريد تعلّماً؟”.

وعن استفسارنا بأن وزارة التربية أخضعت المدرسين لدورات تتعلق بآلية المناهج الجديدة، ومعظمهم لم يلتحقوا بهذه الدورات ولماذا لم تجبر وزارة التربية هؤلاء المدرسين على اتباعها؟، قالت ميه: “إن تدريب المعلمين والمدرسين هو ركيزة أساسية في عمل الوزارة، فقد ترافقت عمليات تطوير المناهج المستمرة مع تدريب للمعلمين على مجموعة من المحاور، منها: الطرائق النشطة في التعلم، التقويم البديل والتقويم المستمر، وإدارة الصفوف والضبط الإيجابي للصف والتعامل مع الصفوف ذات الأعداد الكبيرة ودمج التقانة في التعليم واستخدام الوسائل التعليمية، وقد شمل التدريب معظم المعلمين، وحالياً مع إدراج المناهج المطوّرة جرى تدريب ما يزيد على 30 ألف معلماً ومدرساً في العطلة الصيفية، وسيجري استكمال تدريب من لم يتدرب في العطلة الانتصافية، وانسجاماً مع رؤية وزارة التربية لأهمية دور المعلم في تطبيق المناهج المطوّرة، ومتابعة أثر التدريب وسد الثغرات قامت بتدريب الأطر التوجيهية والإشرافية التي تقوم بمتابعة عمل المعلم داخل الغرفة الصفيّة ورصد نقاط القوة والضعف في أدائه، ووضع الخطط العلاجية لاستكمال تدريبه وتلافي الثغرات في الأداء، حيث تم تدريب ما يزيد على 2000 موجه اختصاصي وتربوي على الأساليب الإشرافية وآليات متابعة عمل المعلمين والمدرسين”.

البدائل عن الدروس الخصوصية:

الدروس الخصوصية ظاهرة يستاء منها الجميع ويستفيد منها المعلمين ويدفع ثمنها الطلاب وأولياء الأمور، وتفشيها يعني هدر لأخلاق المهنة من جميع الوجوه، وقد لجأت وزارة التربية إلى العديد من البدائل، منها:
ـ الدورات التعليمية بأجور رمزية في المدارس وذلك لسد الثغرات الموجودة لدى بعض الطلاب، واستقطاب خيرة المدرسين من أطرنا التربوية للعمل فيها فهي توفر فرصة للطلاب، وكذلك مصدر دخل إضافي للمعلمين لتحسين وضعهم المادي.

ـ الدروس التعليمية على القناة الفضائية التربوية، وخاصةً لطلاب الشهادات حيث تستقطب خيرة المدرسين والموجهين لشرح الدروس باستخدام أحدث التقنيات، وكذلك ندوات تعليمية على الهواء مباشر للإجابة عن أسئلة الطلاب.

ـ ندوات تدريبية لتدريب المعلمين والمدرسين على الطرائق الحديثة وآليات التعامل مع المناهج المطورة وقد تم إنشاء منصات تربوية في المركز الوطني لتطوير المناهج، تهدف لتزويد المعلمين والمدرسين بما يحتاجون إليه من معلومات وخبرات ومهارات عبر التواصل الإلكتروني، وكذلك تبادل الخبرات والتجارب المتميزة بين المعلمين والمدرسين عبر المنصات الإلكترونية، بحسب ما قالته مديرة الإشراف التربوي في وزارة التربية إيناس ميه.

 

دينا عبد ـ دمشق

مقالات ذات صلة