انطلاقاً من عدوان “نبع السلام” التركي.. أمريكا تنفذ مخططها في سورية

يعتبر العدوان الذي تشنه تركيا على مناطق شمالي شرق سورية تحت عنوان عملية “نبع السلام” من أكثر من الموضوعات جدلاً على الساحة السورية، ربما لأن هذه العملية تزامنت مع العديد من الملفات منذ بدايتها إلى الآن، وأبرزها ملف الانسحاب الأمريكي من مناطق الشمال السوري التي تشن فيها تركيا العملية وانتشار قوات الاحتلال الأمريكي في مناطق شرق الفرات الغنية بالنفط، والخلافات الحاصلة بين دول حلف شمال الأطلسي “الناتو” تركيا وباقي أعضاء الحلف بسبب هذه العملية.

بدأت عملية “نبع السلام” التركية في مناطق شمالي شرق سورية في 9 تشرين الأول الفائت بشكل متسارع، والإجراء الوحيد الذي أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أنه اتخذه قبل بدء العدوان هو الاتصال مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأخذ الضوء الأخضر منه، الأمر الذي نكرته إدارة ترامب، وبعد بدء العدوان التركي أكد ترامب أنه لن يُدخل قوات بلاده في معارك لا نهاية لها في إشارة إلى المعارك التي تدور بين “الوحدات الكردية” وقوات الاحتلال التركي، مشيراً إلى أنه يريد حماية جنوده من هذه المعارك، وهذا التصريح من شأنه أن يؤثر على حصول دونالد ترامب، على أصوات أكثر في الانتخابات الرئاسية المقبلة، في ظل وجود عدد كبير من المسؤولين في الإدارة الأمريكية المعارضين لوجود قوات الاحتلال الأمريكي في سورية.

وفي الوقت ذاته، أعلنت الإدارة الأمريكية عن بدء سحب قواتها من مناطق الشمال السوري، وأكد البنتاغون مؤخراً أنه تم استكمال انسحاب قواته من تلك المنطقة للانتقال إلى أراضي شرق الفرات للسيطرة على الثروة النفطية في تلك المنطقة، حيث عززت قوات الاحتلال الأمريكي وجودها بها وأنشأت قواعد جديدة، وأعلن ترامب عن هدفه من هذا الوجود قائلاً: “إن الهدف من بقاء القوات الأمريكية في شمال شرق سورية هو حصول الولايات المتحدة على المال، مضيفاً: “أنا أحب النفط”.

في الوقت الذي تسبب به العدوان التركي بخلافات حادة بين أعضاء حلف “الناتو أعلن عنها مسبقاً أمين عام الحلف ينس ستولنبرغ، حيث قال: “هناك اختلاف في وجهات النظر حول الوضع في شمال سورية بين الحلفاء”، وبعد هذا التصريح كشفت وكالة “رويترز” نقلاً عن مصادر وصفتها بالرفيعة، أن تركيا تشترط على الناتو لدعم خطته الدفاعية أن يمنحها دعماً سياسياً أكبر بعدوانها في سورية، وذلك في ظل غياب الموقف الأمريكي من هذه الخلافات تماماً، إلى أن تم الإعلان عن اجتماع يجمع بين تركيا وأمريكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا دون الحديث عن أي نتيجة تم التوصل إليها بخصوص العدوان التركي، لكن ما يمكن ملاحظته هو اختفاء الانتقادات للعدوان العسكري التركي بعد هذا الاجتماع الذي عُقد بحضور أمريكي.

وفي النتيجة نجد أنه تم تعتيم وتجاهل كافة الانتقادات الموجهة لـلعدوان التركي، كما يبدو أن العملية التركية اللاشرعية كانت فرصة للإدارة الأمريكية لتثبيت وجودها اللاشرعي في سورية بما يتناسب مع مصالحها وخصوصاً علاقاتها مع تركيا في ظل تقارب التركي-الروسي، إضافة إلى أن هذا الوجود يخدم مخططات واشنطن المتعلقة بالسيطرة على الثروة النفطية السورية، وخلق حالة من التوتر على الطريق البري بين سوريا والعراق وغيرها من الأهداف التي تخدم مصالح الكيان الإسرائيلي، وفي الوقت ذاته أظهرت نفسها بأحسن صورة أمام جانبين: الأول الداخل الأمريكي  حينما أعلنت أنها تهدف إلى حماية جنودها من تلك المعارك وأمام حلفاءها، والثاني: تركيا حينما فتحت لها الطريق لتشن عدوانها شمالي سورية دون أي قيود أو ضوابط، حيث تعتبر أنقرة أنه من خلال هذا العدوان ستتمكن من تحقيق مشروعها المتعلق بإنشاء مايسمى بـ “منطقة آمنة” واحتلال المزيد من الأراضي السورية.

لكن تركيا اليوم تواجه تحديات عدة، أولها الظهور القوي لروسيا في المشهد، حيث بات واضحاً أن روسيا لن تتخذ أي إجراء يُضر بمصالح الدولة السورية أو يقطع خطوطها الحمراء، لأن أولويتها هي الحفاظ على علاقتها الجيدة مع سورية، والأمر الآخر هو دخول الجيش السوري إلى مناطق قريبة من الأماكن التي تشن تركيا فيها عدوانها، ومن جهة أخرى الرفض الشعبي الواضح لوجود قوات الاحتلال التركي والفصائل التابعة له، إضافة إلى العمليات التي استهدفت قوات الاحتلال التركي والتي قُتل على غثرها عدداً من الجنود الأتراك، ما يشير إلى وجود الكثير من العوائق  خصوصاً وأن أنقرة في هذه العملية تجاوزت الخطوط الحمراء إلى حد كبير باستهدافها لبعض مواقع الجيش السوري شمالي شرق سورية إضافة إلى الانتهاكات التي تمارسها بحق المدنيين من أهالي المناطق التي احتلتها.

زهراء سرحان

أثر برس

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.