الولايات المتحدة لم تعد قادرة على تحمل الأعباء الاقتصادية لانتشارها العسكري في العالم

تعيش كافة دول العالم في هذه المرحلة تراجع ملحوظ في قدراتها الاقتصادية نتيجة انتشار فيروس كورونا وما ترتب عليه من تداعيات على حركة الأسواق التجارية وحركة الاستيراد والتصدير وما يرتبط بها من أمور اقتصادية.

تلك المجريات الاقتصادية انعكست عموماً على نفقات تلك الدول ومن بينها النفقات العسكرية التي تحتل جزء كبير من الموازنات السنوية لتلك الدول، ومن المنطقي أنه كلما ازداد الانتشار العسكري أن تزداد معه تلك النفقات، فالولايات المتحدة تعتبر الأولى عالمياً في حجم الانفاق العسكري، وخفضها لحجم الانفاق يعني انسحابها من بعض المناطق التي تنتشر فيها.

ظهر خلال الفترة الأخيرة العديد من الأخبار التي تتحدث عن نية الولايات المتحدة تخفيض عدد جنودها في العديد من المناطق والتي كان آخرها يوم الإثنين الفائت عندما قال ترامب إن بلاده ستخفّض عدد جنودها المتمركزين في ألمانيا إلى 25 ألفاً، وأوضح أن على ألمانيا ديوناً للناتو تقدر بمليارات الدولار، وتساءل: “إذا كانوا لن يدفعوا لماذا نبقي جنودنا هناك؟”.

وفي الخامس من الشهر الجاري قالت صحيفة “وول ستريت جورنال” نقلا عن مسؤولين أمريكيين، إن ترامب أمر بسحب 9500 جندي من ألمانيا، من أصل 34 ألفاً و500.

كل ما يحدث يؤكد أن الولايات المتحدة تعاني من أزمة اقتصادية متعلقة بحجم الإنفاق العسكري، لكن الملفت أن الرئيس ترامب يريد تحويل هذه الأزمة إلى ورقة رابحة في حملته الانتخابية من خلال التركيز على فكرة أنه يريد وقف إرسال الجنود إلى مواقع عسكرية تبعد آلاف الأميال عن الولايات المتحدة حيث قال ترامب قبل أيام لخريجين من أكاديمية وست بوينت العسكرية، “إن مهمتهم ستكون الدفاع عن المصالح الحيوية لأمريكا وليس خوض قتال على أراض بعيدة في حروب لا تنتهي”، وصرح ترامب في كلمته التي ألقاها في بداية الاحتفال بالأكاديمية العسكرية أمام أكثر من 1000 خريج، وقفوا بصورة تحافظ على إجراءات التباعد الاجتماعي: “وظيفة الجندي الأمريكي ليست إعادة بناء الدول الأجنبية بل الدفاع والدفاع بقوة عن بلدنا من الأعداء الأجانب”.

وأضاف “نحن ننهي عصر الحروب التي لا تنتهي”، ومضى يقول “إن وظيفة القوات الأمريكية ليست حل صراعات قديمة في أراض بعيدة لم يسمع عنها حتى كثير من الناس”.

وفي نفس الوقت يريد ترامب عدم إظهار حالة الضعف الاقتصادي الحالي والذي من شأنه أن ينعكس على القدرات العسكرية الأمريكية ليظهر أمريكا بصورة قوية خلال فترة حكمه وليبقي إجراءات خفض التواجد الأمريكي في الخارج ضمن سياق حماية الجنود بعيداً عن موضوع الضعف الاقتصادي الذي يحدث أثناء وجوده كرئيس للولايات المتحدة، حيث قال أثناء كلمته في الكلية الحربية: “استثمرنا أكثر من تريليوني دولار، في أقوى قوة قتالية، على الإطلاق، على كوكب الأرض، نحن نبني السفن الجديدة والقاذفات والمقاتلات النفاثة والمروحيات بالمئات، الدبابات الجديدة والأقمار الصناعية والصواريخ والقذائف”.

صحيفة واشنطن بوست الأمريكية نفت مزاعم ترامب بدفعه تريليوني دولار وأكد أن هذا الرقم تم دفعه خلال السنوات الثلاث الأولى من رئاسته وليس خلال الفترة الأخيرة وهو تأكيد جديد على حجم الأزمة الاقتصادية الأمريكية.

وتؤكد الصحيفة الأمريكية أن ميزانية المشتريات انخفضت بنسبة 1.7 في المائة في عام 2019، ومن المقرر أن تنخفض ​​بنسبة 2.9 في المئة أخرى في عام 2020، كما تشير واشنطن بوست أنه حتى مع انخفاض الإنفاق في نهاية فترة ولاية أوباما بسبب قانون مراقبة الموازنة، كان متوسط ​​الإنفاق سنوياً على المشتريات أعلى قليلاً في عهد أوباما منه في عهد ترامب.

يبدو أن الخطة الأمريكية الأمريكية لتخفيض انتشار قواتها في العالم قد بدأت بشكل فعلي لكن تراتبية المناطق التي سيتم سحب تلك القوات منها مرتبط بأولوية تلك المناطق فالقوات الأمريكية المتواجدة في سورية والشرق الأوسط ترتبط بشكل فعلي بأمن الكيان الإسرائيلي الذي يمتلك نفوذ واسع في الإدارة الأمريكية ما يؤخر انسحاب تلك القوات لكن جميع التقديرات تشير إلى أن الولايات المتحدة لم تعد لديها القدرة على تحمل أعباء هذا الوجود وأن تلك القوات ستنسحب من هذه المنطقة عاجلاً أم آجلاً.

رضا توتنجي

أثر برس

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.