في المشهد الليبي: التحذيرات تتصاعد.. الجفرة وسيرت خط أحمر

يتعقد المشهد الليبي أكثر وأكثر يوماً بعد يوم في ظل استمرار تدخل الأيادي الخارجية في بلد انقسم سكانه بين الجهات الخارجية العابثة في وطنهم دون النظر إلى مصالحهم الوطنية الخاصة.

حيث عادت مدينة سرت مسقط الزعيم الراحل معمر القذافي لتشكل محور الصراع بين السلطتين المتنازعين في ليبيا من جهة، ومن خلفهم الداعمين لكلا الطرفين من جهة أخرى، حيث تواصل تركيا مشاريعها التي تسعى من خلالها لزيادة نفوذها المتمثل بحكومة الوفاق بالتوجه إلى الشرق الليبي لتتمكن من تنفيذ مشروعها الرامي إلى إقامة جسر بحري يصل جنوب غرب تركيا بشمال شرق ليبيا الخاضعة لقوات حفتر والمدعومة من قبل روسيا ومصر والإمارات والسعودية، بالمقابل تسعى الأخيرة إلى وقف التمدد التركي عند حدود مدينة سرت والجفرة النفطيتين.

إذ أن تركيا لم تكتف بنفوذها ضمن مناطق الغرب الليبي البعيدة عن السواحل التركية حيث تواصل تحشيد قواتها العسكرية المتمثلة بمقاتلي حكومة الوفاق وآلاف المرتزقة من المجموعات المسلحة في سورية الذين قامت بنقلهم مؤخراً للقتال في ليبيا بهدف التوسع شرقاً والاقتراب قدر المستطاع من السواحل التركية في شمال شرق ليبيا.

منطقتا سيرت والجفرة تخضعان في الوقت الحالي لسيطرة قوات حفتر لكن يبدو بأن الميزان العسكري بدأ يميل في الفترة الأخيرة كما ظهر من خلال مجريات الأحداث لحكومة الوفاق التي تلقت دعم كبير من تركيا من الناحيتين البشرية اللوجستية، حيث أكد اللواء أحمد المسماري، المتحدث باسم القيادة العامة للجيش الوطني الليبي، الذي يقوده حفتر، يوم الثلاثاء بأن الساعات المقبلة ستشهد معركة كبرى في محيط سرت والجفرة، وأشار المسماري إلى وجود “تحركات كبيرة لميليشيات الوفاق وتركيا” في محيط المنطقتين، وأضاف أن المعركة القادمة “لن تكون ليبية فقط، وإنما ستدخل فيها أطراف عربية وأجنبية، لأن مخطط تركيا يهدد الأمن والسلم في المنطقة”.

قد يكون الحدث الأبرز خلال الفترة الأخيرة الذي يشير إلى إمكانية توسيع دائرة الصراع في الحرب الليبية هو شن طائرات حربية يقال حسب تسريبات صحافيّة أنّها من نوع “رافال” الفرنسيّة الصنع على قاعدة الوطية جنوب غرب طرابلس وتدمير منظومات دفاعية تركية فيها، وتزامنت هذه الغارات الأُولى من نوعها مع زيارةِ خلّوصي آكار وزير الدفاع التركي إلى العاصمة الليبيّة طرابلس ومصراته، وسط تكهّنات تقول بأن الزيارة ربما تأتي للتّنسيق مع حُكومة الوفاق لتحديد “ساعة الصّفر” لهجوم سرت، ومن المشاع بأن هذا النوع من الطائرات لا تمتلكه إلا دولتين، هما الدولة المصنعة، أي فرنسا ومصر، والملفت بالاستهداف أنه يعكس أن القوّات التركيّة في ليبيا لا تمتلك أجهزة رصد دقيقة ومُتقدّمة ما يعني بأن تطور المعركة ودخول طائرات متطورة سواءً كانت مصرية أو فرنسية أو روسية من شأنه أن يؤثر على القدرات التركية هناك.

وعلى الجهة المقابلة تواصل مصر تحذيرات بطريقة أكثر جدية عبر مناورات 2020 التي تهدف من خلالها إلى توصيل رسالة إلى الجانب التركي بأن الجيش المصري على أهبة الاستعداد في حال أقدمت تركيا على تخطي الخطوط الحمراء التي تحدث عنها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في العشرين من الشهر الفائت والمتمثلة بمدينتي سيرت والجفرة.

تلك المناورات الضخمة دعمت سياسياً أول أمس الإثنين عن طريق إعلان مجلس النواب الليبي المؤيد لحفتر، أنه أجاز لمصر التدخل عسكرياً في ليبيا “لحماية الأمن القومي” للبلدين، لتأخذ منحى أكثر جدية بالتوازي مع دعم خليجي بعد تصريحات وزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش من “طبول الحرب التي تقرع” من قبل حكومة الوفاق حول سرت، معتبراً أنها “تهدد بتطور جسيم وتبعات إنسانية وسياسية خطيرة”.

يبدو أن التطورات السياسية والعسكرية في الملف الليبي بدأت تتسارع بصورة خطيرة منذرةً بقرب حدوث صدام عسكري وسياسي قد يكون أكبر وأخطر من المجريات في سورية، ليبقى حدوث هذا الصدام متعلق بالموقف التركي والتقدم أو عدم التقدم إلى سرت والجفرة وسط استمرار تركيا بالتوسع ضمن الأراضي العربية في ظل غياب موقف عربي فعال لوقف الشهية التركية على التراب العربي وليبقى الخاسر الأكبر منما يجري هو الشعب الليبي الذي يتقاتل مع نفسه لتحقيق مصالح الدول الأجنبية.

رضا توتنجي

أثر برس

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.