ما سر الحضور الصيني في سوريا في هذه المرحلة؟

خاص|| أثر برس حطت أمس السبت طائرة وزير الخارجية الصيني وانغ يي، الملقب بـ”قلب الديبلوماسية الصينية” في مطار دمشق الدولي محملاً بالعديد من المشاريع الاقتصادية والرسائل السياسية، وفي أول حراك دبلوماسي صيني في هذا الحجم تجاه دمشق منذ بداية الحرب على سوريا، تم الإعلان عن انضمام سوريا إلى مبادرة الحزام والطريق، الأمر الذي يقدّم لها زخماً ديبلوماسياً واقتصادياً جيداً بالمنطقة في الوقت الذي تفرض أمريكا فيه عقوبات على سوريا ومن يتعامل معها.

اقتصادياً:

أبعاد عدة تترتب على هذه الزيارة التي تتسم بطابع اقتصادي بالغالب، حيث تم الإعلان مباشرة  عن إعادة ضم سوريا إلى مبادرة الحزام والطريق التي تولّد عنها 6 مشاريع اقتصادية وفقاً لما أعلنه الوزير الصيني، وتعود أهمية انضمام سوريا إلى هذه المبادرة بالنسبة للصين هو أن سوريا تعتبر محور الطرف الغربي لطريق الحرير القديم، وفي مصلحة متبادلة مع سوريا فإن هذا الاتفاق يعني المزيد من الاستثمارات الصينية في سوريا، وبالتالي المزيد من التحدي الصيني لدول الاتحاد الأوروبي وأمريكا، حيث يمتد طريق “الحرير الجديد” من الصين إلى منطقة الخليج مروراً بجنوب شرقي آسيا والمحيط الهندي والبحر العربي، الهدف من مخطط “الحزام والطريق” هو إنشاء مسارات تجارية متفق عليها بين عدد كبير من الدول ويشارك فيه 123 دولة.

من جهته أضاف “منتدى التعاون الصيني-العربي” أن لسوريا موقعاً استراتيجياً في مفترق طرق أنابيب النفط والغاز التي تربط حقول الموارد في شبه الجزيرة العربية والخليج العربي وإيران بالأسواق الأوروبية، وعلى نطاق أوسع فهي تقع في مفترق الطرق بين أفريقيا وأوروبا والقوقاز وآسيا الوسطى.

لكن اللافت هو أن مبادرة “الحزام والطريق” يمر طريقها من مناطق شرقي سوريا التي تسيطر عليها “قوات سوريا الديمقراطية-قسد” والقوات الأمريكية، الأمر الذي يثير إشارات استفهام حول آلية التعامل مع هذه المنطقة في إطار المبادرة الصينية، حيث قال المحلل السياسي كمال جفا في حديث لـ”أثر”: “أعتقد أن القرار الصيني اتخذ بالرغم من الغموض الذي يكتنف مناطق شمال شرق سوريا الذي يمر منه المشروع الصيني متوجهاً إلى تركيا وثم أوروبا” مضيفاً: “من وجهة نظري أن الصين تخطط لتأمين خطة بديلة عن الطريق التركي عبر طهران بغداد دمشق حيث تبدو ملامح استقرار سياسي في هذه الدول على المدى القصير والمتوسط وألا يمر هذا الطريق بمناطق شمال شرق سوريا حالياً لحين وضوح الرؤية لمستقبل الوجود الأمريكي في سوريا”.

وفي سياق الحديث عن المشاريع الاقتصادية بين دمشق وبكين قال المحلل السياسي كمال جفا في حديث لـ”أثر”: “البداية السورية تشمل بداية تعاون اقتصادي ومساعدات غذائية وإنسانية وصحية وسيتم تشكيل لجنة تنسيق عليا مستقبلاً وستليها دفعه مساعدات في إعادة الإعمار ومشاريع الطاقة المتجددة قبل الدخول في مشاريع عملاقة تحتاجها سوريا بشكل عاجل والصين لديها من الإمكانيات المالية والبشرية والتقنية”.

التعاون الاقتصادي بين سوريا والصين ليس جديد فالعلاقات بين البلدين موجودة منذ عام 1956، وخلال زيارة الرئيس السوري بشار الأسد، إلى الصين عام 2004 تم توقيع 9 اتفاقيات مشتركة، وهذا التعاون لم يُلغَ بعد الحرب على سوريا ففي عام 2019 تجدد الحديث عن ضرورة عودة سوريا إلى “مبادرة الحزام والطريق” وزيادة الحضور الاقتصادي الصيني في سوريا.

إلّا أن اللافت هو أن التحركات الصينية الاقتصادية حصراً بدأت تتزايد في بداية العام الجاري، منذ أن تم توقيع الاتفاقية الإيرانية-الصينية التي تمتد إلى ربع قرن والتي يبدو أنها كانت إحدى النقاط المفصلية في الشرق الأوسط، حيث أفادت وكالة “الأناضول” حينها أن هذه الاتفاقية تساهم في توسيع “مبادرة الحزام والطريق” لتشمل منطقة الخليج والعراق وسوريا، وتحويل دمشق إلى مركز تجاري رئيسي بين إيران وتركيا والعراق.

سياسياً

يبقى السؤال يدور حول سر التوقيت الذي قررت فيه الصين إظهار نفسها في الشرق الأوسط وسوريا خصوصاً وهنا لا بد من الجنوح إلى الجانب السياسي الذي كان واضحاً في زيارة الوزير يي، منذ أن أعلن أنه تعمّد توقيت زيارته في التوقيت ذاته الذي يجري فيه قسم الرئاسة السورية ليكون أول المهنئين للرئيس الأسد، حيث أشار العديد من المحللين إلى أن هذه الزيارة تحمل رسالة قوية جداً لواشنطن، حيث قال جفا: “الصين بسياساتها المستقبلية ستون أكثر قوة وشراسة في الدفاع عن مصالحها وستتبوأ المكانه التي تستحقها بين دول العالم”، مضيفاً: “منذ بداية العام الحالي بدأت العلاقات الأمريكية الصينية تأخذ منحى عدائي تصاعدي في كل المجالات الإعلامية والسياسية والاقتصادي وبدأت مرحلة حرب باردة جديدة أعلنها الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن منذ بداية تسلمه مهامه الرئيسي حين وضع الصين وروسيا في مرتبة الاعداء مما دفع القيادة الصينية إلى إعادة ترتيب سياساتها من جديد مع الولايات المتحدة الأمريكية”.

كما استغل محللون آخرون هذه الزيارة لتحليل التحركات الصينية بشكل عام حيث قال الباحث المتخصص في الشؤون الصينية -العربية، نظمي الحاج قاسم، لموقع “سكاي نيوز عربية”: “الصين كانت حريصة على الدوام على التمايز النوعي عن الموقف الروسي في سوريا، لكن دون تطابق مع المواقف الأمريكية والأوربية” مشيراً إلى أن “الصين كانت تسعى لخلق توازن بين إيران والدول العربية التي ترفض نهج الحكومة السورية”، وتابع “لكن منذ التقارب الصيني الإيراني الأخير، وتكريس مشروع الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، الذي قد يمتد لربع قرنٍ قادم، وبعد الاجتماعات لقادة حلف الناتو والدول الصناعية السبع، الذين اعتبروا الصين خطراً فإن السياسة الخارجية الصينية تسعى لمزاحمة هذه القوى، وفي منطقة حساسة مثل سوريا، حيث تسعى الولايات المُتحدة لرسم خطوط حمراء للمتعاملين مع الحكومة السورية، والخطوة الصينية الأخيرة هي بمثابة رسالة للولايات المُتحدة”.

ونوه جفا إلى أن “فوز الرئيس الايراني الجديد والذي سيضمن تصديق اتفاقية التعاون الاستراتيجي مع الصين وبالتالي أصبح لزاما على بكين العمل ضمن محور ايران بغداد دمشق وربما بيروت لتأمين اكمال المشروع الصيني والذي يتعم عرقلته من قبل الولايات المتحدة الامريكية في مواقع متفرقة من اسيا وأفريقيا”.

وفي سياق الحديث عن التوقيت، يقول الكاتب والمحلل السوري أحمد الدرزي في مقال له على موقع “ميادين نت” أن هناك أسباب عدة كانت تمنع الصين من الحضور القوي في سوريا، أحدها طبيعة الاتفاق الذي تم مع روسيا، والذي يتيح بموجبه لروسيا فقط الدعم والتدخل العسكري، الأمر الذي جعل بكين تحتاج إلى التوافق مع موسكو لدخول سوريا اقتصادياً، إضافة إلى المحاولات الروسية لإعادة ترتيب المنطقة بما في ذلك “إسرائيل” ضمن منظومة إقليمية واحدة، وذلك من خلال إعادة سوريا إلى الجامعة العربية، على الرغم من كل ما يحمله ذلك من مخاطر على روسيا نفسها، بسبب الدور الأمريكي المؤثر في التحكم في سياسات هذه الدول العربية الداخلية والاقتصادية، وهذا سيعني، بالضرورة، وجود أمريكا و”إسرائيل” في سوريا، وإنجاز ما عجزتا عنه في الحرب بواسطة التحكم بمفاصل الاقتصاد السوري ومنعكساته الاجتماعية والسياسية، مشيراً إلى أنه  مع مجيء جو بايدن، ارتفعت سوية العداء تجاه الصين وروسيا على نحو صارخ، واعتبرتهما الأكثر تهديداً للولايات المتحدة، وأقدمت على تحركات عسكرية تحذيرية وتهديدية لكِلتا الدولتين، في البحر الأسود وبحر الصين الجنوبي.

وأضاف الدرزي أن ” طبيعة التهديدات، التي تتعرَّض لها الصين وروسيا، دفعتهما إلى إعادة النظر في الملف السوري، من زاوية مغايرة، وتقتضي مصالح البلدين الكبيرين مراجعة التفاهمات فيما بينهما. فاحتكار روسيا إدارةَ الملف السوري سبّب لها كثيراً من المخاطر والتهديدات، مشيراً إلى أن “الصين وحدها تستطيع من خلال إمكاناتها الاقتصادية الهائلة، وتفوّقها التكنولوجي على جميع دول العالم، أن تقوم بإعادة إعمار سوريا”، وفي هذا الصدد يضيف المحلل السياسي كمال جفا “الخطوة الصينية باتجاه دمشق كانت متوقعه لكنها تأخرت كثيراً بسبب عدم الاستقرار السياسي والامني في سورية وصراع الارادات والمصالح الدولية وتضاربها أحيانا فيما يتعلق بآلية الحل في سورية ومآلات الحل والوضع النهائي للمناطق السورية المحتلة ان كان في شمال شرق سورية او مناطق ادلب المحاذية للحدود التركية”.

وبنظره أكثر شمولية قال جفا: “بالإضافة إلى أن الصين بدأت بتغيير سياساتها الخارجية الناعمة التي اعتمدت على اداء مهام سياسية واقتصاديه خارجية لتأمين مصالحها إلى أدوار أكثر جرأة وأكثر قوة بترسيخ تواجد ميداني ربما استخباراتي أو عسكري أو رفع مستوى التعاون والتنسيق مع سوريا والعراق وإيران ليحمي مصالح بكين الخارجية والتي استهدفت في عشرات الدول لأنها اعتمدت سياسيات ناعمه ومترددة وغير صارمة في كثير من الملفات المتعلقة بعلاقاتها مع دول كانت تعتبر حلفيه لها تاريخياً مما أدى إلى زعزة ثقة بعض الحلفاء فيها خلال السنوات الماضية”.

يبدو أن ما يحصل على الساحة العالمية يفرض معادلات ومتغيرات جديدة، على حسابات الدول العظمى في التعامل مع بعض الملفات ويبدو أن سوريا بحضورها الدولي بعد الحرب فيها ونتيجة موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وتردي الوضع الاقتصادي فيها ومواقفها السياسية يجعلها ملف أساسي من هذه الملفات، فهل نحن أمام معطيات تعود بالنفع على سوريا وتنقلها إلى مرحلة جديدة بعد 10 سنوات من الحرب؟

زهراء سرحان

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.