السقوط الأمريكي من مضيق هرمز إلى المتوسط

خاص || أثر برس كانت لعبة المفاوضات التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع الدولة الإيرانية لتهدئة الأمور المعقدة بشأن الاتّفاق النووي الذي خرقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مكشوفة منذ البداية؟
لقد اشتد الجدل بين الرئيسين الفرنسي والأمريكي ووصل إلى مرحلة الشتائم السياسية، حتى قال دونالد ترامب لنظيره إيمانويل ماكرون:” ما علاقة فرنسا بذلك ومن أوصاها بالتفاوض مع إيران نيابةً عن الولايات المتحدة الأمريكية”.

واستمرت اللعبة المكشوفة أمام إيران التي لحقت كذبهم إلى آخره، فهي ماضية في التزاماتها القانونية أمام المجتمع الدولي لطالما يفي الطرف الآخر بتعهداته.

حاول الفرنسيون بالتوافق مع الأمريكيين سحب ورقة التفاوض إلى أوروبا للدلالة على أن الرأي الأوروبي منفرد عن القرار الأمريكي فيما يتعلق بالعودة إلى بنود الاتّفاق النووي، وكان السجال بين ماكرون وترامب إيحاءً بذلك، وبعد أن أظهروا التفاهم علنيّاً في القمة التي جمعت الدول السبعة الكبار بتفويض فرنسا بحل الأزمة، وإمكانية عقد لقاء ثنائي بين الرئيس الإيراني حسن روحاني، والأمريكي دونالد ترامب، كشف وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف التلاعب الحاصل لإخضاع إيران والنيل من حقوقها.

اقترح الفرنسيون تخصيص قرض بقيمة 15 مليار دولار يوضع في صندوق ضمن القناة المالية التي قررت أوروبا إقامتها بغرض التبادل التجاري مع إيران، وكان الرد الإيراني بأن تكون الـ 15 مليار دولار لقاء مبيعات النفط الإيراني لأوروبا لمدة أربعة أشهر، فعلّقت فرنسا الرد للتشاور مع الولايات المتحدة الأمريكية بذلك، وانتهت اللعبة.

أرادت الولايات المتحدة الأمريكية الضغط اقتصاديّاً على إيران من البوابة الأوروبية ففشلت بذلك، فتحويل الحقوق الإيرانية إلى مسار لتدوين الديون على الدولة الإيرانية بإضافته خارج بنود الاتفاق النووي هو أمر مرفوض أمام تحدي القيادة الإيرانية لفرض الإملاءات الأمريكية، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تصطدم بوجه القرار الروسي والصيني الداعم للسياسة الإيرانية في كبح الجموح الأمريكي في منطقة الخليج ومضيق هرمز، وبذلك فإن إيران ليست وحيدة، ونجحت أيضاً في دبلوماسيتها وإرادتها بهزيمة الأمريكيين وعزلهم من بوابة مضيق هرمز إلى مضيق جبل طارق في المتوسط، حيث وصلت الناقلة الإيرانية “أدريانا داريا 1” بعد الإفراج عنها دون شروط من حكومة جبل طارق إلى الساحل السوري لتنقل قرابة مليون برميل من النفط، فكسرت إيران الحصار الاقتصادي الأمريكي ولاسيما في ظل ما يعانيه الشعب السوري من جرّاء العقوبات الأمريكية بانتصار مزدوج إيراني – سوري ستكمله القوات السورية في الميدان باستعادة السيطرة على إدلب، وهذا القرار لا رجعة فيه.

ردت إيران على المماطلة الأوروبية والأمريكيين على حدٍ سواء بالإعلان عن تنفيذ الخطوة الثالثة لخفض التزاماتها النووية على لسان المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بهروز كمالوندي، فألغت أي تعهدات بالنسبة إلى مستوى تخصيب اليورانيوم، كما أعلنت عن نيتها بزيادة الاحتياطي من اليورانيوم عن طريق إنشاء أجهزة طرد إضافية بعد أن حددتها بنود الاتّفاق النووي سابقاً بقرابة 5000 طرد مركزي.

بدأت إيران العمل بغاز هكسا فلوريد اليورانيوم في أجهزة الطرد المركزي، وإطلاق هذه العملية توحي للمتخصصين في الطاقة النووية بأن سرعة تخصيب اليورانيوم سوف تزداد بأضعاف متعددة، ثم إن إعلان إيران عن نيتها بتشييد مفاعل نووي ثالث بالإضافة إلى مفاعلي فوردو وآراك حوّل المشهد الأوروبي بين الدهشة والخوف إلى ضرورة إيجاد أي حل يحد إيران من الوصول إلى أهدافها التي تبدو واضحة، وبدا الفشل الأمريكي في الضغط على إيران بكل الوسائل سوف يكلّفهم الكثير، فإيران رغم كل العقوبات التي هدد بها دونالد ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو ونفذها الأمريكيون لم تمنعها من التفاوض بكل القوة والثقة.

ونجحت إيران في حظر تداعيات الحصار الاقتصادي الذي تنتهجه الولايات المتحدة الأمريكية ضدها، فارتفعت المؤشرات الاقتصادية العامة في البلاد نتيجة خفض سعر الدولار بنسبة 18 بالمئة من 14500 تومان إلى قرابة 11600 تومان، وانخفضت الديون الخارجية خلال عام واحد، كما ارتفع حجم التبادلات التجارية مع الصين وتركيا والإمارات وضمت المنتجات البتروكيماوية والمشتقات النفطية بالإضافة إلى السلع الرئيسية، ولن يمنع إيران أي شيء من تصدير الغاز إلى الصين عبر باكستان في الأشهر القادمة.

تبقى الآلية المالية الأوروبية “اينستكس” للتعامل مع إيران معيار التزام الغرب بالتفاوض وسبيل لنقل النفط الإيراني إلى أوروبا لطالما إن كانوا جادين في الحفاظ على ما بقي من الاتّفاق النووي.

لقد قال المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بهروز كمالوندي بالأمس: “هناك وقت للتفكير بالوقود النووي”، وهذه الجملة تترك للأوروبيين والأمريكيين إمكانية متابعة التفاوض ولكن وفق مصلحة القيادة والشعب الإيراني.

لعلّ الجميع يدرك بتفاوت التعاطي السياسي بين الرئيسين الأمريكيين باراك أوباما و دونالد ترامب فيما يخص الاتفاق النووي الإيراني، ولكن السؤال الذي يُطرح، ألم تدرك الولايات المتحدة الأمريكية بأنها أخفقت؟ وأن لا مناص من الوقوف في وجه الإرادة الإيرانية؟ وأن العقوبات الاقتصادية أحادية الجانب لم تعد تنفع بعد سقوط أحادية القطب الواحد؟

علي أصفهاني

 

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.