الحرب تنتج تجمعات سكنية جديدة

خاص || أثر برس

مخيمات قد تتحول إلى مدن وقرى جديدة.. من زراعة الأرض إلى حصاد الماء من أجل “لقمة الخبز”

يقول “أبو مازن” القادم إلى العاصمة دمشق بعد خروجه بشق الأنفس من المنطقة الشرقية، إن من علقوا بالمخيمات المقامة في المنطقة الشرقية قد لا يعودون إلى مناطقهم الأصلية بفعل التطور الاقتصادي الذي حصلوا عليه نتيجة لخلق فرصة عمل في المنطقة التي نزحوا إليها، ويتحدث الرجل الذي يسكن في إحدى ضواحي دمشق، عن أن البقاء في المخيمات الواقعة بالمنطقة الشرقية كان خياراً من قبل الكثيرين، فالدخول إلى المدن قد يؤمن حياة أسهل، لكنه يعني الخضوع لسطوة أصحاب البيوت الذين يتلاعبون بقيمة الآجار وفقاً لأهوائهم، ناهيك عن حالة ترقب “الحوالة المالية الشهرية” التي تصل من أبنه المقيم في الكويت.

الركبان.. إحياء للصحراء

طول المدة الزمنية للحياة في منطقة صحراوية، دفعت ببعض سكان مخيم الركبان للبحث عن مصادر رزق لتأمين معيشتهم في مخيم رمته التجاذبات الدولية تحت رحمة الفصائل المنتشرة بداخله، بانتظار التوافق الدولي على تفكيك المخيم، الأمر الذي دفع بـ “أبو عمار” للبدء بمشروع تمثل باستثمار جزء من الصحراء المحيطة بخيمته ليزرعها بمحصول الذرة البيضاء على الرغم من انعدام وجود مصادر للمياه الطبيعية.

ويقول الرجل المنحدر من قرية “السوسة” بريف دير الزور الجنوبي الشرقي في حديثه لـ “أثر برس”: “إن الطريق إلى داخل الأردن مستحيلة منذ وصولنا، والبقاء لفترة طويلة في منطقة مفتوحة على عوامل المناخ الصحراوي القاسية، دفعتنا لاستبدال الخيمة ببيت طيني يشبه البيت الذي كنا نسكنه في السوسة، ومع أن الزراعة شبه مستحيلة في هذه المنطقة جرّبت أن أزرع الذرة البيضاء للحصول على عائد مادي يساعدنا على مواجهة الحياة هنا، فالأسعار تكوي النازحين، وربطة الخبز قد تتحول إلى حلم في بعض المواسم”.

ولا يفكر أبو أحمد بالعودة إلى السوسة بشكل كامل، إذ إنه بات يمتلك أرضاً يمكن الإبقاء على استثمارها لمدة طويلة مع العلم أنها من أراضي أملاك الدولة، لكن الدولة لا يمكن أن تمانع مسألة إحياء الصحراء من وجهة نظر الرجل الذي هرب من قريته بسبب ممارسات تنظيم “داعش”، ويقول: “إن كتب لنا القدر بأن نعود إلى السوسة، سأقترح على أحد أبنائي بأن يبقى في بيتنا هذا، سأزوجه وأبقيه هنا بالقرب من المشروع الجديد لنا، العمل في هذه الأرض سيعطينا دخلاً إضافياً، وسأعمل على أن يكون وجودي في هذه الأرض قانونيا إن فكك المخيم بعد اتفاق الدول على ذلك”.

ويجد حسين البالغ من العمر 30 عاماً، أن بقاء جزء من سكان مخيم الركبان في المنطقة أمراً متوقعاً، فالبعض بدأ بتجارة المواشي، والركبان تؤمن المساحة اللازمة لهذه التجارة والمرعى، كما أن القرب من الحدود السورية والأردنية، يفتح آفاق للعمليات التجارية مع الدولتين بالمواشي والأعلاف، وقد تتحول لقمة العيش إلى سبب لإنشاء قرية أو بلدة لن يقل عدد سكانها عن 5 آلاف شخص على الأقل، وهذا ليس بالرقم السهل، لكن يبقى الأمر مرهون بقرارات الدولة السورية في حال تم التوصل إلى حل.

مدرس اللغة العربية إسماعيل، يرى أن من مصلحة الحكومة السورية أن تنشئ تجمعاً سكنياً في المنطقة بما يسهم لاحقاً بإنعاش المنطقة الصحراوية كاملة، والاستفادة لاحقاً من هذه المساحات في تنمية الثروة الحيوانية لتعويض ما خسرته الدولة في هذا القطاع خلال سنوات الحرب، كما أن تفعيل المعبر الحدودي المشترك مع الأردن والعراق بشكل رسمي ونظامي، قد يعني مقدماً أرباحاً إضافية للدولة من تجارة الترانزيت، فالطريق عبر الجنوب العراقي إلى دول الخليج العربي يعتبر أقرب من الانتقال عبر المعابر الحالية، خاصة معبر “نصيب”.

العريشة.. بين الصيد والتجارة

إلى الجنوب من مدينة الحسكة بحوالي 15 كم نشأ مخيم العريشة المعروف أيضاً باسم “مخيم السد”، نتيجة لبدء معارك “قوات سوريا الديمقراطية” في صيف العام 2017 بريف دير الزور ضد تنظيم “داعش”، وإلى الآن لا يعتبر مخيماً رسمياً، إذ إنه يعتبر كنقطة تجميع وتفتيش “border checking point”، وتمتلك “الإدارة الذاتية” المعلنة من طرف واحد من قبل “مجلس سوريا الديمقراطية” في الشمال السوري، خطط لتفكيك هذه المخيم الذي يقطنه 1971 أسرة، بنقل قاطنيه إلى مخيمي “الهول” و”المبروكة”، الواقعة شرق وغرب محافظة الحسكة على التوالي، الأمر الذي يرفضه سكان المخيم لأسباب أهمها الازدحام في المخيمين المذكورين وسوء الخدمات، وهذا الرفض يأتي على الرغم من سوء الأحوال المعاشية داخل “مخيم السد”، بفعل ارتفاع مستوى المياه في بحيرة سد الحسكة الجنوبي ما يتسبب بغرق الجزء الأكبر من المخيم، إضافة إلى مخاطر الصيف من انتشار الأمراض الجلدية المعدية وكثرة الزواحف الخطرة كـ “الأفاعي والعقارب”.

“أبو محمد”، يعتبر أن البقاء في العريشة أفضل لسكانه من الانتقال إلى أي مخيم آخر، ويقول إن بعض من بدؤوا بالعمل بمهن جديدة عليهم كصيد الأسماك من بحيرة السد، أو بالتجارة بالمواد المتنوعة، قد لا يغادرون منطقة المخيم بعد انتهاء الحرب، أو السماح لهم بالعودة إلى قراهم من قبل “قوات سورية الديمقراطية” في قراهم الأصلية بريف دير الزور، مضيفاً، أن بعض الأسر نشأت ضمن المخيم من حالات الزواج الجديدة التي حدثت فيه، وسيكون من الجيد بالنسبة للشبان الذين كونوا أسراً جديدة أن يبقوا بالقرب من مصدر رزقهم الجديد المتمثل ببحيرة السد.

بينما ترى “أم مريم”، أن البقاء في العريشة أو عدمه مرهون بموقف زوجها الذي وإن كان مستفيداً من تجارة المواد الغذائية حالياً والمقهى الصغير الذي افتتحه في المخيم، فإن لن يبقى الوضع على ما هو الآن، فالأكيد أن الجزء الأكبر من سكان المخيم سيعودون لقراهم، لكن لا مانع من البقاء على ما بتنا نتملكه هنا من بيت طيني والمقهى، والمثل الشعبي يقول: “مكان ما ترزق إلزق”، لكن المرأة الأربعينية والجاهلة بالقراءة والكتابة، تؤكد أن المنطقة بحاجة للخدمات الأساسية إن قرر البعض البقاء فيها، كالكهرباء والاتصالات والإبقاء على المستوصف مفتوحاً من قبل الدولة السورية حين عودتها للمنطقة.

على الهوامش..

قد يكون الوضع الإنساني سيء للغاية في كل المخيمات الواقعة ضمن الأراضي السورية، إلا أن مثل هذه الأوضاع دائماً ما تخلق فرصة للبعض للتحول في حياته من مهنة إلى أخرى، أو من مكان إلى آخر، ولعل البعض من النازحين سيبقى بشكل فعلي في المنطقة التي نزحوا إليها ليشكلون لاحقاً تجمعات سكانية محدثة بفعل طول المدة الزمنية للنزوح الذي فرض عليهم، وهذا نتاج طبيعي لرغبة البعض بالحفاظ على التطور أو الاستفادة التي حصل عليها بفعل الصدفة التي خلقتها سنوات الحرب، وهذا يعني بالضرورة أن تكون التجمعات السكانية الجديدة ناشئة عن المخيمات المنتشرة في مناطق متعددة أهمها “الرقة – الحسكة – دير الزور – حلب – إدلب”، والمناطق المرشحة لهذا التحول هي المخيمات القريبة من مصادر رزق طبيعية كما حال مخيم السد، أو القريبة من الحدود كحال مخيم الركبان.

 

محمود عبد اللطيف – المنطقة الشرقية

 

 

مقالات ذات صلة

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.