“إس400” بين الإصرار التركي والرفض الأمريكي وملفات في المنطقة تنتظر تداعياته

بعد جدال دام لأكثر من سنة وصلت أول أمس، الدفعة الأولى من صواريخ “إس400” الروسية إلى تركيا في توقيت قد يحمل العديد من الدلالات كونه جاء في عشية الذكرى الثالثة لإحباط الانقلاب العسكري على حكم أردوغان الذي ساعدت روسيا في إفشاله وكان يسعى الغرب لإنجاحه.

نجاح الصفقة الروسية – التركية يحمل العديد من التبعات السياسية والعسكرية وحتى الأمنية، فالموضوع لا يقتصر فقط على الفوارق التي استند إليها العديد من المحللين، فلا شك أن نوعية المنظومة الروسية قد أثبتت نجاح أكبر من المنظومة الأمريكية التي فشلت في العديد من البلدان وهو ما أكدته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية قائلةً إن هجمات الحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيرة كشفت نقاط ضعف في الدفاعات الجوية لدى السعودية التي تعتمد نظام باتريوت الأمريكي، ناهيك عن الفرق الشاسع في السعر بين المنظومتين إذ أن المنظومة الروسية كاملة يبلغ ثمنها 500مليون دولار في حين يبلغ ثمن بطاريتين فقط من منظومة باتريروت أكثر من مليار دولار أميريكي.

إلّا أن كل ما سبق لا يكفي لأن تصر تركيا  على شراء المنظومة التي من شأنها أن تودي بنتائج كارثية بعد أكثر من سنة على التحذيرات الأمريكية المتكررة، فإذا أردنا الاستناد على الموضوع المادي فمن غير المنطقي أن يفكر الأتراك بتوفير بضع مليارات من الدولارات مقابل عقوبات اقتصادية من شأنها التأثير على كامل الاقتصاد التركي، حيث أفادت شبكة “بلومبيرغ” الأمريكية بأنه في لحظة هبوط الطائرات الروسية التي تحمل المنظومة على الأراضي التركية تراجع سعر صرف الليرة التركية، كما أكدت الشبكة الأمريكية أنه من المتوقع أن يكون هناك حزمة عقوبات أمريكية تشمل صفقات بيع وشراء العقارات، وفرض قيود على الاستثمارات في السندات الأمريكية، وتقييد وصول الشركات التركية إلى القطاع المالي الأمريكي، فيما يمكن لترامب أن يطلب من مؤسسات مالية دولية مثل صندوق النقد الدولي رفض تقديم قروض للمؤسسات التركية التي سيتم مقاطعتها ما من شأنه أن يكون له نتائج كارثية على الاقتصاد التركي.

بالمقابل فإن الرواية الأمريكية حول رفضها اقتناء المنظومة هي أيضاً غير مقنعة وتحمل العديد من إشارات الاستفهام، فالولايات المتحدة تستند إلى أنه من غير المنطقي أن تمتلك دولة في حلف شمال الأطلسي (تركيا) منظومة الدفاع الجوية الروسية، لكن هذه الحجة الأمريكية أيضاً غير مقنعة بشكل كامل كون اليونان التي تعتبر جزء من حلف شمال الأطلسي تقتني منظومة “إس300” منذ سنوات ولم تقابلها بتلك الحدة التي قابلت بها تركيا، فلماذا كل هذا الإصرار الأمريكي على عدم اقتناء الأتراك للمنظومة الروسية؟

قد يتفرع  الإصرار التركي والرفض الأمريكي تجاه الموضوع إلى فرعين أساسيين، الأول يفسر إصرار تركيا ورفض أمريكا للصفقة، إذ أن تعمق العلاقات التركية – الروسية أكثر مما هي عليه يجر بلدان أخرى إلى الخروج من تحت المظلة الأمريكية، خصوصاً في ظل نية كل من السعودية والهند وقطر والجزائر ودول أخرى لاقتناء المنظومة الروسية ، والدخول بصفقات واسعة مع روسيا التي تحمل علاقاتها الدبلوماسية صورة أكثر ثباتاً من العلاقات الأمريكية، فالعلاقات الروسية – التركية تعمقت وجعلت تركيا تغرق بشكل أكبر مع روسيا في ظل 60% من احتياجات تركيا من الغاز تستوردها الأخيرة من روسيا، التي لديها 6 ملايين سائح من مواطنيها سنوياً في تركيا، وتشييد مفاعلاً نووياً في مرسين تقدر قيمته بـ 20 مليار دولار، فوق ذلك، لن تقف العلاقات بين البلدين عند “إس 400″، إذ أن الشراكة تتشابك بصورة أعمق مع مدّ خط “السيل التركي” للنفط والغاز الطبيعي من تحت البحر الأسود نحو تركيا فأوروبا، بما يحرّر موسكو من ارتهانها  لخط أوكرانيا.

أما الخط الثاني الذي يصب في المخاوف الأمريكية فهو أمن “إسرائيل” وطائرات “إف35” التي لا تتواجد سوى في الولايات المتحدة والأراضي المحتلة ولدى منظومة “إس400” القدرة على إسقاطها على مساحة 600 كلم أي أنها تغطي أجزاء من المجال الجوي للطائرات الإسرائيلية في حال نشوب أي خلافات مستقبلية.

تبعات ما يجري على الملف السوري

تسعى تركيا في الوقت نفسه الذي تعصي فيه الإملاءات الأمريكية إلى الحفاظ على حالة التنسيق معها في ملف شرق الفرات السوري وخصوصاً فيما يتعلق بما بات يسمى بـ”المنطقة الآمنة”، فبالتزامن مع وصول “إس400” إلى الأراضي التركية أعلنت وزارة الدفاع التركية أن وزير الدفاع خلوصي أكار، اتفق مع مارك إسبر القائم بأعمال وزير الدفاع الأمريكي، في اتصال هاتفي أول أمس الجمعة، على ضرورة إرسال فريق عسكري أمريكي على وجه السرعة الأسبوع القادم لبحث إقامة ما يسمى بـ”المنطقة الآمنة” في سورية، وأبلغ أكار القائم بأعمال وزير الدفاع الأمريكي، خلال الاتصال الهاتفي، بأن شراء تركيا منظومة “إس400” الروسية للدفاع الصاروخي لا يعني تغيير أنقرة توجهاتها الاستراتيجية، مضيفاً أن الصفقة ضرورية، إلا أنه لم يتم الحديث عن أي ردة فعل أمريكية حول الطلب التركي، ليبقى السؤال هل سيستمر الإنجرار التركي إلى القطب الروسي بكافة الملفات الدولية ومنها الملف السوري، ويتم تسليم روسيا ما تبقى من مفاتيح بيد تركيا لحل الأزمة السورية، أم أن الولايات المتحدة ستقرأ المشهد بصورة أوسع وتخفف من وطئة عقوباتها على تركيا للحفاظ على التوازن التركي بين أمريكا  وروسيا وعلى مصالحها في المنطقة عموماً وفي سورية خصوصاً؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.