أيّ تركيا ستصالحها سوريا؟

خاص|| أثر برس مع تواتر الأحاديث والأخبار المتسربة حول تواصل، أو قرب تواصل، بين العاصمتين دمشق وأنقرة، تتكثف التحليلات حول الشكل المقبل للعلاقات، وحلول أو عدم حلول سلام بينهما، ويبالغ البعض في توقعاته حتى يصل إلى إمكانية عقد نوع من التحالف بين الجيشين لمواجهة “قوات سوريا الديمقراطية- قسد”.

وقبل التفكير في شكل التطبيع الممكن، يجب التوقف قليلاً عند دوافع تركيا إلى تسريب تلك الأخبار كلها، ولعل من الجيد أن نضعها في سياقها الزمني المتدرج، ففي البداية تحدث الرئيس رجب طيب أردوغان، في طائرة العودة من قمة سوتشي، التي جمعته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكان سياق حديث أردوغان هو وجود اتصالات على مستوى الأجهزة الاستخباراتية للبلدين، وبعدها بأيام سربت صحيفة “تركيا”، التابعة لطريقة “إيشيق” (الضوء) – إحدى الطرق الدينية الحليفة للحكومة الإخوانية في أنقرة – سربت خبراً تتوقع فيه قرب عقد اتصال هاتفي بين الرئيسين بشار الأسد ورجب طيب أردوغان، ولكن مجمل نص الخبر كان فضيحة من حيث الصحافة المهنية، فهو ربط ذلك بزيارة للشاعر أدونيس إلى تركيا، وأن أدونيس هو “الوالد العقلي” للرئيس الأسد، ولوالده الراحل الرئيس حافظ الأسد، وتجاهل معد الخبر أن أدونيس زار تركيا بدعوة من إحدى البلديات، التي يسيطر عليها “حزب الشعب الجمهوري”، أكبر أحزاب المعارضة، في ولاية إزمير، لنيل جائزة على هامش مهرجان أدبي مقام فيها، وعاد معد الخبر فتحدث عما سماه “الدولة النصيرية العميقة” وأن هناك في سوريا مجلساً يمثلها، وأن أدونيس عضو في هذا المجلس، خبر مصاغ صياغة إخوانية تقليدية.

التسريب الثالث، وربما الأهم، هو حديث وزير الخارجية مولود تشاويش أوغلو عن لقاء قصير مع نظيره السوري فيصل المقداد، ولكن لنا أن نسأل: “لماذا لم يتذكر جاويش أوغلو أن يتحدث عن هذا اللقاء إلا بعد قرابة عشرة أشهر على حدوثه؟، وهل توارد هذه الأخبار المسربة وبتوقيت زمني قصير بين بعضها البعض هو مجرد مصادفة؟”، حسناً؛ طلقة البدء في هذه التسريبات هي حديث أردوغان، والسر موجود، بالتالي، في قمة سوتشي وما شهدته، ولا نعلم أي ملف بالضبط هو الذي شجع أردوغان على المضي في سياسة الانفتاح السريع، بل والمتهور، على دمشق، ولكن يمكن العودة إلى تحليل سبق القمة بيوم واحد، لكاتب اسمه مراد يتكين، بعنوان: “بوتين يبدأ القمة بنتيجة واحد إلى صفر” ويتحدث فيها عن إعلان شركة “روساتوم” الروسية المختصة بالطاقة النووية فسخ العقد المبرم مع شركة مقاولات تركية لتنفيذ الأعمال الإنشائية في محطة أككويو، التي تقيمها، في ساحل مرسين جنوب تركيا، وهذا الفسخ يهدد بالتأخير الترتيبات التي أقامها أردوغان لدخول أولى وحدات المحطة مرحلة الإنتاج الكهربائي، ولو تجريبياً، بحلول عام 2023، أي قبيل الانتخابات الفاصلة، التي تشير أغلب الاستبيانات إلى أنه سيخسرها، فهو يريد رفع أصواته بإعلان تحويل بلاده إلى دولة نووية، وسارع إلى الإعلان عن أنه سيقوم شخصياً بزيارة المحطة ومهاتفة بوتين حول الوضع، وهذا ما تم فعلاً، ولكن لا نعرف الرد الروسي، وحتى الكلام الروسي عن استثمار مبلغ 20 مليار دولار في المحطة المذكورة، وقراءة البعض لهذا على أنه قرار من بوتين بدعم الحملة الانتخابية لأردوغان، فإن التفاصيل تجعلنا نضع الأمر في سياق آخر هو استباق أية محاكم قد تنشأ مع الشركة التركية، التي يتهمها الروس بالسرقة والاحتيال، ومحاولة اكتساب الرأي العام.

قد يكون ملف المحطة هو سبب رغبة أردوغان الجامحة بشبك الملفات ببعضها البعض، على جري عادته، فيشبك الملف السوري بالأوكراني بالملف النووي وهكذا.

ومما لا شك فيه أيضاً أن هناك بعداً أمريكياً لخطواته هذه؛ فقد أصدر مجلس النواب الأمريكي مؤخراً قانوناً يمنع بيع مقاتلات F16 إلى تركيا إلا بتحقق شرطين: أن يتعهد الرئيس بأن الصفقة لا تضر بالأمن القومي لأمريكا، أي ألا تستخدم تركيا قوتها الجوية بالتنسيق مع دول تصنف في خانة العداء لواشنطن، مثل روسيا وإيران، والشرط الثاني هو عدم خرق المجال الجوي اليوناني، وهذا شبه مستحيل لأن هناك خلافاً أصلاً على رسم المجال الجوي والبحري، فهناك مناطق، في بحر إيجه، تعتبر اليونان أنها عائدة لها، وتخالفها تركيا في ذلك، ومن الصعب جداً أن نتوقع تقديم الأتراك تعهداً بعدم الطيران فوق تلك المناطق التي يعتبرونها جزءاً من ترابهم، والحال هذه، ستكون الصفقة معلقة إلى أمد غير معلوم، وهذا يعني بدوره أن المبالغ التي تدين بها واشنطن لأنقرة بعد طردها من مشروع بناء مقاتلة الجيل الخامس F35، وتتجاوز مليار ونصف المليار دولار، ستدخل في المجهول، والحال هذه، كان يجب أن تخطو تركيا خطوة تظهر فيها لواشنطن أنها تمتلك مجال حركة بديلاً من خلال العلاقة مع روسيا، ولكن الأخيرة كانت متحفظة في ملف المحطة النووية، وكان لا بد من تليينها بملف آخر هو الأزمة السورية، ومما يقوي رأينا بأن الرغبة التركية بالتطبيع آنية، ولا تمثل استدارة استراتيجية، أن أردوغان لا زال يعلن رغبته بشن عملية عسكرية في الشمال السوري، ومدفعيته لا تزال تعتدي على المناطق المدنية في الجزيرة السورية.

ويمكن بالطبع أن نضيف سبباً آخر لهذه التسريبات، فالأتراك درجت لديهم العادة قبل أي عمل عسكري في الشمال أن يطلقوا تسريبات كهذه تفيد بتحقيق، أو قرب تحقيق، تواصل مباشر، وعلى مستوى القمة أحياناً، قبيل عمل عسكري مرتقب في الشمال السوري، وبما يمنع من تقارب “قوات سوريا الديمقراطية- قسد” مع دمشق، فهم ينشؤون نوعاً من الحاجز النفسي لدى القيادات الكردية الأوجلانية يمنعهم من التلاقي مع دمشق عبر خلق وهم بأن دمشق ستغدر بهم عبر الاتفاق مع أنقرة، ولنتذكر أنه قبل فترة من الزمن خرجت أخبار مشابهة – أحدها مثلاً زعم بحصول لقاء على مستوى الاستخبارات في موسكو، وفي مرة أخرى قيل في الجزائر – وتولت وسائل الإعلام التركية أو القطرية تسريب هذه الأخبار.

بأية حال، وكنوع من وضع السيناريوهات المختلفة للمستقبل، وبعد المصادقة على أن أي بلدين يمتلكان حدوداً مشتركة سيطبعان علاقتهما، ويتبادلا التمثيل الدبلوماسي، مهما طال الوقت، يستحسن أن نتساءل عن أي أنقرة ستصالحها دمشق: أنقرة أردوغان أم أنقرة ما بعد أردوغان؟ يمكن صياغة التساؤل بعبارة أخرى، هي: أيهما أفضل لمصالح دمشق، وللبلاد العربية عموماً، التطبيع مع أردوغان أو مع المعارضة التقليدية؟
إن حكومة أردوغان تعتبر دعمها للمنظمات التكفيرية والإرهابية ورقة للضغط في أي مفاوضات قد تنطلق، وهي تعتبر أن على دمشق أن تقدم لها تنازلاً ما، في ملف ما، كي تتخلى هي عن دعم المنظمات هذه، وتتوزع التنازلات التي قد تطلبها على مروحة واسعة من المصالح، فهي تبدأ بملف غاز شرق المتوسط، والذي سيكون من حسن حظ أنقرة أن تعترف دمشق لها بمصالح في المناطق المتنازع عليها مع قبرص اليونانية، ولا تنتهي مروحة المصالح هذه عند إفساح المجال للتجارة البرية – الترانزيت – إلى الخليج العربي عبر الأراضي السورية، فمن المعلوم أن تركيا ترسل البضائع عبر سفن “رو-رو” مخصصة لنقل الشاحنات، إلى مصر أو فلسطين المحتلة، ومنها عبر البر إلى الأردن، ومن ثم دول الخليج، وتزيد التكلفة عليها أكثر من 1500 دولار في كل حاوية، مما لو مرت هذه الحاويات عبر سوريا أو العراق.

الورقة الثانية، التي تعتبر أنقرة أنها تمسك بها بقوة هي وجودها العسكري في بعض مناطق الشمال، ولا شك أنها تفكر بطلب أثمان جدية مقابل إنهائه في حال انطلقت مفاوضات جدية فعلاً، ومع هذا كله، تحاول أنقرة ألا تضع ملف النازحين على طاولة التفاوض، ولا تعترف بأنه يشكل ورقة ضاغطة عليها، خوفاً من أن تطلب دمشق أثماناً باهظة مقابل المساعدة في حله.

بالمقابل، تبدو المعارضة، ممثلة بشكل أساسي بالتحالف السداسي الذي يقوده “حزب الشعب الجمهوري”، متخلية طوعاً عن ورقة دعم المنظمات المسلحة، وخاصة أنها لا توافقها أيديولوجياً، ولا تتوافق معها حياتياً كذلك، فـ”الأتراك البيض”، الذي يحملون عقدة اللحاق بأوروبا والاندماج معها، يرون من العار عليهم أن يكونوا حلفاء لتنظيمات فيها مقاتلون شرق أوسطيون من أعراق متخلفة، وتقر، إلى جانب هذا، بأن مسألة النازحين ضاغطة، وأنه يجب وضع حل عاجل لها – رغم أننا نقر بأن دمشق أمام واجب أخلاقي اتجاه مواطنيها، ولا سيما من شملتهم قرارات العفو الكثيرة، أو من لم يتورطوا ضد بلادهم اصلاً – ولكن بالمقابل، قد تستخدم المعارضة، في حال أصبحت هي السلطة، سياسة أمر واقع أكثر عنفاً من أردوغان، في الشمال، فالمعروف أن أردوغان لا يتميز بالشجاعة، وقد استثمرت سوريا، قبل نحو عامين، ميزة الجبن فيه لتحرير أجزاء من أرضها في ريفي إدلب وحماة، واستهدفت قواته وحاصرت نقاطها دون أن يجرؤ، على مدى عدة شهور، على محاولة فك الحصار عنها، أما المعارضة الحالية فتظهر أمارات على أنها ستكون أكثر جرأة وتهوراً منه، ويضاف إلى هذا أن وصولها إلى السلطة سيخلق تعقيدات جمة في العلاقات مع موسكو وطهران، وقد تجد متنفساً دموياً لها في الأراضي السورية على جري العادة.

أي الخيارين أفضل؟

ربما يمكن القول إن خيار التواصل مع المعارضة أفضل بقليل لسوريا، ولكن هذا يضع بالمقابل أمام سوريا تحدياً لاتخاذ قرارات صعبة لمحاولة تلافي أو تخفيف الأثر السلبي لهذا الخيار، وعلى سبيل المثال يجب أن تكون دمشق متحضرة للتدخل إيجابياً في مرحلة القلاقل والفوضى، التي يبدو أن تركيا دخلتها أو كادت، مع اشتداد حلقة الأزمة الاقتصادية، وسوء إدارة السلطة الحاكمة، وهي مرحلة مشابهة جداً لمرحلة ما بعد حرب الخليج الأولى وارتداداتها، والتي تسببت بأزمة كبيرة ومرحلة من الفوضى طبعت عقد التسعينات بأكمله، ولا سيما النصف الأول منه، ولم تتمكن آلة الدولة التركية من احتوائها إلا بعشرات المجازر والجرائم التعسفية، وبإحلال نوع من سلطة المافيا كموازن في الشارع للمنظمات والأحزاب والتيارات اليسارية الفاعلة.

وقد وقفت يومها الدولة السورية إلى جانب القوى التركية التقدمية، وآوت عشرات المناضلين الفارين من الجور في بلادهم، وبينهم سياسيون يعتنقون الكفاح المسلح لأنهم يعتبرون أن حكام أنقرة قد فقدوا مشروعيتهم، وأوقعوا البلاد تحت الاحتلال غير المباشر، وأنهم باتوا بالتالي أهدافاً مشروعة للعمل الفدائي، وأذكر أن واحداً من قادة أحد هذه التنظيمات كتب لي في دردشة إلكترونية من منفاه القسري قائلاً: “سوريا الحبيبة هي فيتنام العصر، وكل شعوب المنطقة مدينة لها ولصمودها، فلولاها ما كنا”.

سومر سلطان 

مقالات ذات صلة