أطفال الشرقية.. بين العمالة وحلم التعليم الذي أكلته الحرب

خاص || أثر برس عدد كبير من الأطفال ينخرطون في أعمال شاقة في المنطقة الشرقية ، والبحث عن لقمة العيش ليس المبرر الوحيد الذي يدفع من هم دون سن الثامنة عشر إلى سوق العمل في الأجزاء التي تحتلها “قوات سوريا الديمقراطية”، من محافظات “الحسكة – الرقة – دير الزور”، إذ أن مسألة العودة للدراسة تواجه الكثير من المعوقات بالنسبة للأطفال المنقطعين خاصة فيما يتعلق بالسن.

لقمة الخبز.. أولاً

يقول “محمد”، الذي لم يتجاوز الـ 13 من عمره لـ”أثر برس”، إنه مجبراً على العمل بأجر يومي لا يزيد عن 1000 ليرة سورية ليكون مساهماً في إعالة أسرته بالتشارك مع أخيه الذي يكبره بعامين، إذ فقد الطفل أباه بالقصف الأمريكي على بلدة “هجين” مطلع العام الماضي، وأُجبر هو وأمه وأخوته الأربعة على الفرار إلى منطقة “الشحيل”، وهناك بدأ العمل ضمن ورش الدهان والنجارة وأخيراً استقر به الحال في محل للحلاقة الرجالية، بعد أن عادت هذه المهنة إلى المناطق التي خرج منها تنظيم “داعش”، إذ كانت من المحرمات وفقاً لقواعد التنظيم.

وتقول السيدة “نورة”، التي تبلغ من العمر 31 عاماً، إنها تعمل واثنين من أطفالها في جمع ما يصلح للبيع من مكبات القمامة لتأمين لقمة العيش بعد أن فقدت زوجها خلال عملية النزوح من المناطق التي كان تنظيم “داعش” يحتلها في ريف الرقة الشرقي قبل أن تسيطر عليها “قسد”، وتشير السيدة التي تقيم حالياً في محيط مدينة الحسكة ضمن منزل مستأجر، إلى أن الظروف المعاشية أجبرتها على تشغيل الطفلين الذين يقل عمريهما عن 14 عاماً لإعالة الأسرة التي تضم أيضاً 3 فتيات تقل أعمارهن عن 10 سنوات.

وتؤكد الطفلة “سوسن”، التي تبلغ من العمر 15 عاماً، إنها وجدت نفسها ملزمة بالعمل في نبش مكبات القمامة لتساعد والدتها في إعالة الأسرة، وهي تقوم بتأمين ما يقارب 2000 ليرة يومياً تشكل دعامة أساسية في تأمين الاحتياجات اليومية وأجار المنزل، إذ لا يبدو أن العودة إلى قريتهم التابعة لناحية “الكسرة”، في ريف دير الزور الغربي ممكنة في الوقت الحالي.

التعليم.. حلم مضى

يعمل الطفل محمد لمدة 12 ساعة يومياً، ولم يتلق أي نوع من التعليم سابقاً، لأن المدارس كانت مغلقة عندما أصبح في السن الرسمية لدخول الصف الأول، وحين افتتح تنظيم “داعش” مدارس خاصة به، لم يقبل والده إرساله إليها خشية من الأفكار التي كان يبثها التنظيم عبر المناهج التي أقرها، ولا يمكن له أو لأخيه الذي يعمل بدوره في محل تجاري كـ “عامل توصيلات”، من الالتحاق بالمدارس التي تسيطر عليها “قسد”، لأن من في عمره باتوا في الصف السادس الابتدائي أو السابع.

ويؤكد مضر الذي يبلغ من العمر 16 عاماً، ويعمل حالياً في ورشة لـ “الحدادة”، أنه ترك المدرسة منذ دخول تنظيم “داعش” إلى قرية “الصبحة”، التي تقع في ريف دير الزور الجنوبي الشرقي، فالقواعد الشرعية المتشددة التي كان يفرضها التنظيم على المناهج الدراسية، ما كانت سوى تمهيداً لتجنيد الأطفال في صفوفه، الأمر الذي دفع ذويه إلى تفضيل حرمانه من التعلم على أن يكون متشدداً، وبعد خروجهم من المنطقة إلى مدينة “الشدادي” التي خضعت لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”، في آذار من العام 2016، لم يكن من الممكن الدخول في المدارس التابعة لـ “قسد”، فالمناهج التي يتم تدريسها ليست سورية، والتعلم من خلالها لا يقدم ولا يؤخر، ومرت السنوات ليجد الفتى نفسه على بعد مسافة زمنية لا تقل عن 7 أعوام دراسية عن أقرانه في العمر.

نرجس التي تعمل في نبش القمامة، تحلم بأن يكون ثمة فرصة لها لتتعلم، حيث تقول إنها تسمع من خلال التلفاز عن إمكانية تجاوز فارق السن في مسألة التعليم من خلال ما يسمى بـ “البرنامج B”، وبرغم أنها لم تفهم التفاصيل بشكل كامل، إلا أنها تقول خلال حديثها لـ “أثر برس”: “إذا عملوا عنا بالحسكة مثل الشام، رح أسجل وأدرس”، إلا أن حلمها سيبقى حلماً في المنظور القريب، إذ أن المدارس التي تقع تحت نفوذ الدولة السورية في مدينة الحسكة، تشهد ازدحاماً يصل في بعض الأحيان إلى 80 طالباً في الشعبة الصفية، وكل المدارس التي يعتبر عددها قليل جداً، تعمل بواقع “دوامين”، لتتمكن من استيعاب الأعداد الضخمة التي نتجت عن عزوف الأهالي عن إرسال أبناءهم إلى المدارس التي تفرض عليها “قسد”، ما تسميه بـ “مناهج الإدارة الذاتية”.

لا يوجد إحصائية رسمية صادرة عن أي مؤسسة أممية أو سورية، توضح عدد الأطفال الذين انخرطوا في سوق العمل في المحافظات الشرقية خلال فترة الحرب، كما أن عدد الأطفال الذين لم يتلقوا تعليماً بشكل كامل أو جزئي يعد من المسائل الصعبة جداً، في ظل وجود أطفال غير مسجلين في السجلات الرسمية للدولة السورية نتيجة لولادتهم في مناطق تخضع لسيطرة “قسد”، أو كانت تخضع لسيطرة تنظيم “داعش”، ورغم الجهود الحكومية المبذولة في فتح أبواب تسجيل واقعات الزواج والولادات والوفيات عير الموثقة رسمياً، إلا أن المعطيات تشير إلى وجود أعداد ضخمة ما سيجعل من المشكلة ممتدة لفترة زمنية أطول بسبب المعوقات التي تضعها “قسد”، أمام حركة المدنيين باتجاه مناطق سيطرة الدولة السورية، لأسباب سياسية.

محمود عبد اللطيف – المنطقة الشرقية

 

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة.